بقلم: سليمان جودة
أهم ما فى الحياة السياسية المغربية أن الأحزاب تتبادل الجلوس فى مقاعد الحكم والمعارضة، وأن الحزب الذى يحكم اليوم يجد نفسه فى المعارضة غدًا، والعكس صحيح.
هذه المباراة السياسية المستمرة أفرزت أحزابًا قادرة على المنافسة فى أى سباق انتخابى، وكان السباق الذى جرى فى ٢٣ الشهر الماضى شاهدًا على ذلك، بمثل ما كانت السباقات الثلاثة السابقة عليه منذ ما يسمى الربيع العربى شاهدة أيضًا.
فى السباق الأول الذى جرى فى غمرة «الربيع» ٢٠١١ فاز حزب العدالة والتنمية بالأكثرية. ورغم أنه حزب على قاعدة إسلامية، إلا أن ذلك لم ينعكس على سياساته فى الحكم، اللهم إلا فى قضية العلاقة مع إسرائيل مثلاً، وفيما عدا ذلك، كان يُنحى مرجعيته الدينية جانبًا، ويعمل على التفاعل مع مشاكل الناس، وهذا ما جعله يفوز فى السباق التالى ويشكل الحكومة فى ٢٠١٦ للمرة الثانية.
وعندما دار الزمان دورته، وجاء أوان السباق الثالث فى ٢٠٢١، تراجع نصيبه فى مقاعد البرلمان بشكل مؤلم له ولأنصاره، ولم يحصل إلا على ١٣ مقعدًا من بين ٣٩٥، ولم يكن أمامه إلا الذهاب إلى مقاعد المعارضة، وإلا النظر فى الأسباب التى أدت إلى تراجعه الكبير.
فى ذلك السباق الثالث نفسه تقدم حزب «التجمع الوطنى للأحرار» وحصل على الأكثرية التى تؤهله للحكم ائتلافًا مع أحزاب أخرى، وقاد هو الحكومة برئاسة رجل الأعمال عزيز أخنوش. فلما جاء السباق الرابع فى هذه السنة تبدلت حظوظ الأحزاب فيه بشكل لافت، وبدا أن الناخب هو البطل فى الموضوع فى السباقات الأربعة، وأن أداء الحزب فى الحكم أو فى المعارضة هو المقياس لدى كل ناخب، وأنه هو الذى يعظم من مقاعد الحزب الذى يستحسن أداءه، وينزل بالحزب الذى يجده بعيدًا عن هموم وقضايا الناخبين.
ففى هذا السباق الرابع تراجع «التجمع» إلى المرتبة الثانية بعد أن كان فى الأولى خلال السباق الثالث، وتقدم حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى بعد كان فى الثانية، وضاعف حزب العدالة والتنمية من حظوظه فحصد ٥٤ مقعدًا بعد أن كانت مقاعده ١٣ مقعدًا، وكان من الطبيعى أن يشكل الأصالة والمعاصرة الحكومة الجديدة، وحين تشكلت ذهب حزب التجمع إلى مقاعد المعارضة، وقد كان إلى يوم تشكيل الحكومة الجديدة مستقرًا فى مقاعد الحكم!
هناك بالطبع أحزاب أخرى مثل حزب الاستقلال الذى يظل أقدم الأحزاب المغربية، وهناك حزب الاتحاد الاشتراكى، ومعه حزب التقدم والاشتراكية، والثلاثة دخلت مع الأصالة والمعاصرة فى ائتلاف خرجت منه الحكومة الحالية التى ترأسها فاطمة المنصورى.
سباق يُثير الإعجاب، ولا بطل فيه إلا الناخب، أما الملك محمد السادس فكان أسرع الحكام العرب إلى احتواء الربيع إياه، فأطلق دستورًا جديدًا وقتها، وتنازل فيه عن الكثير مما كان من صلاحياته قبلها، وجعل الأداء فى السباق بين الأحزاب هو معيار القياس فى كل سباق.