بقلم: سليمان جودة
لا ينافس ٦ أكتوبر فى تاريخنا المعاصر إلا ٢٥ أبريل، ففيهما عادت سيناء مصرية كما عاشت من قبل، وفيهما قالت مصر إنها تستطيع وكانت تعنى ما تقول، وكلاهما يدعونا إلى أن نظل نذكره على الدوام ولا ننساه. وإذا كان السادات قد تمنى شيئاً فى حياته، فهذا الشىء كان أن يعيش حتى يرى ٢٥ أبريل ١٩٨٢، وليكن بعد ذلك ما يكون.
ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فلقد رحل الرجل وهو على مرمى حجر من ذلك اليوم، وغادر وفى نفسه شىء من يوم عاش على أمل أن يراه.
قبلها كان السادات قد صنع المجد فى السادس من أكتوبر ١٩٧٣، ومعه كل جندى قاتل حتى النصر أو الشهادة، وكانت مصر على موعد مع استعادة الكرامة مرتين: مرة عندما عاد جزء من سيناء بالقوة فى ٦ أكتوبر، ومرةً ثانية حين عاد الجزء المتبقى بالسلام فى ٢٥ أبريل ١٩٨٢، وفى الحالتين كانت العزيمة المصرية متوفرة، وكانت الإرادة الوطنية حاضرة، وكان بطل الحرب والسلام يذهب إلى عقد معاهدة سلام من موقع المنتصر، وكان قد وقف يخاطبهم فى الكنيست بأقوى لغة سمعتها إسرائيل فى تاريخها.
ولو أن أحداً عاد يسمع خطاب الكنيست من جديد، فسوف يدهشه أن يكون السادات قد واجه الإسرائيليين بهذه الكلمات داخل إسرائيل ذاتها. سوف تلاحظ وأنت تستعيد الخطاب أن صقور الحكومة الإسرائيلية كانوا لا يصدقون ما يسمعون، فالكاميرا كانت تتنقل بينهم، وكانت تنقل الملامح على وجوههم، وكان شارون مثلاً يمد يده بالمنديل يمسح وجهه مرة بعد مرة، وكأنه يجفف عرقاً يتصبب على جبينه فيفضحه.
وبالمثل كان بيجين يتصرف وهو يتطلع من مقعده إلى السادات على منصة الخطاب، فكان يبدو كمن يتشاغل عما يسمع، ولكن السادات كان يحاصرهم بعبارات من التوراة نفسها، فكان يقول مثلاً: لقمة يابسة ومعها سلام خير من بيت ملآن بالذبائح مع الخصام.
هذه حكمة مأثورة فى سفر الأمثال فى الكتاب المقدس، وعندما استحضرها السادات فى خطابه كان يضغط بطريقته على كل حرف فيها، لعل معناها يصل إلى بيجين، وشارون، وشامير، وبقية العصابة من الصقور الذين لم يجدوا إلا أن يسلموا بأن مصرية سيناء لا فصال فيها. ومن مكانه على المنصة راح يتطلع إلى الجالسين أمامه ثم يتلو من مزامير داوود عليه السلام: الغش فى قلوب الذين يفكرون فى الشر، أما المبشرون بالسلام فلهم الفرح. كان إذا نطق كلمة «الخصام» راح يتطلع إلى بيجين، وإذا قال «الغش» حوّل عينيه إلى شارون!
كان ذلك فى الكنيست يوم ٢٠ نوفمبر ١٩٧٧، وكان السادات يزرع بكلماته ما سوف تجنيه بلاده فى ٢٥ أبريل ١٩٨٢، فكان يوماً لا يُنسى شأنه شأن السادس من أكتوبر، ففيهما لامست رأس كل مصرى أعلى سماء.