بقلم : عمرو الشوبكي
فى شهر رمضان المبارك يتحدث الناس فى كل شىء، منها بالطبع أمور الدين وصلاة التراويح وصحيان الفجر، ويتحدثون أيضا فى المسلسلات وينتقدون معظمها وينهالون غضبا على الإعلانات التى تتخللها أحيانا برامج ومسلسلات، كما يفتحون ملف الأوضاع الاقتصادية ويشتكون بشدة من غلاء الأسعار ومن التضخم وتراجع قوتهم الشرائية.
البعض يعتبر أن المشكلة فى جشع التجار والبعض الآخر يقول المشكلة فى الحكومة لكن هناك ما يشبه الإجماع فى تدهور وضع الناس الاقتصادى خاصة حين يقارنون ما كانوا يستطيعون شراءه منذ سنوات قليلة وما يشترونه الآن.
والمؤكد أن النقاش الاقتصادى نادرا ما يرتبط بالسياسة، لأن هناك من يعتبر أن الغالبية العظمى من الناس غير مهتمة بالإصلاح السياسى إنما مهتمة أساسا بتحسين أوضاعها الاقتصادية والمعيشية، وإنه إذا تحسنت أو تحسن جانب منها، فإنها لن تنتقد الأوضاع القائمة، ولن تسعى من أجل الإصلاح السياسى.
ورغم صحة وجهة النظر هذه إلى حد كبير، خاصة فى ظل الأوضاع الحالية، إنما السؤال الذى يجب طرحه هل يمكن إجراء إصلاح اقتصادى وتحسين أحوال معيشة المصريين وانتعاش قوتهم الشرائية دون توجه سياسى مختلف وجديد؟
إن كثرة حديث الناس وشكواها فى شهر رمضان من ارتفاع الأسعار ومطالبتهم بمواجهة التضخم ومحاربة الفساد وجشع التجار، سيحتاج إلى خيارات سياسية تحكمها قواعد الحوكمة والشفافية والرشادة التى يعرفها أى نظام اقتصادى ناجح سواء كان اشتراكيا أم رأسماليا.
إن شكاوى الناس فى رمضان لن تحل فقط بمواجهة جشع بعض التجار إنما بوضع منظومة قيم وقواعد قانونية جديدة تنظم المجال العام بجانبيه السياسى والاقتصادى وتترك الناس تختار بين تيار اشتراكى أو ليبرالى أو محافظ أى أن الأولوية هى فى وضع قواعد تنظم المجال السياسى والاقتصادى منسجمة مع قيم العالم المتقدم أو الراغب فى التقدم لا أن تصبح الدولة طرفا يزاحم التجار ورأس المال المتوسط وتترك دورها المطلوب كمنظم للمجال العالم سياسيا واقتصاديا.
الأزمة الاقتصادية فى مصر كبيرة والظروف المعيشية لأغلب المصريين شديدة الصعوبة والمطلوب ليس رفع راية الإصلاح السياسى ودولة القانون فقط إنما أيضا رفع راية قيم الإنتاج والمحاسبة والشفافية والرقابة والتى تعرفها كل النظم الراغبة فى التقدم بصرف النظر عن لونها السياسى.
مناقشات الناس فى رمضان بعد الإفطار وحتى السحور ميزتها أنها تبدو وكأنها اكتشفت الغلاء فى الشهر الكريم، لأن الناس كما هى العادة تفعل عكس معانى الشهر الفضيل، وتشترى فى رمضان أكثر مما تشترى فى أى شهر آخر، وتنفق على الطعام و«العزومات» أكثر من ميزانيتها، فنسمع حديثا عن الفارق بين أسعار الياميش فى هذا العام وسعرها العام الماضى، والمهم أن تستمع الحكومة لكلام الناس وتحاول أن تحل ولو جانبا من شكواهم بالسياسة.