بقلم : عمرو الشوبكي
الصور التى بثتها القنوات الإخبارية العربية والدولية من طهران أظهرت بشاعة الغارات الإسرائيلية على مصافى النفط، معلنة بدء استهداف المقدرات المدنية الإيرانية بعنف وقسوة، وصاحبها استخدام رئيس الوزراء الإسرائيلى مفردات من نوع التدمير والهدم كحل لمشكلة النظام الإيرانى.
يقينًا الحكم فى إيران ارتكب أخطاء وخطايا كثيرة، ويكفى أنه مستمر فى إطلاق صواريخه على الدول العربية وهو يعلم أنها لن تغير مسار الحرب، ومع ذلك يستمر فيها، كما أنه ترك مرارات فى أكثر من بلد عربى، سواء سوريا أو لبنان أو اليمن وحتى دول الخليج نتيجة تدخلاته فى شؤونهم الداخلية.
ومع ذلك، فإن مشكلة المشروع الإسرائيلى الذى يرغب فى الهيمنة المطلقة بالقوة على المنطقة يشير إلى أنه لأول مرة فى تاريخ الدول الاستعمارية يكون ما يقدم لشعوب المنطقة هو فقط القوة الغاشمة، وليس أسلوب «العصا والجزرة» الذى حدث مع تجارب استعمارية سابقة، حين كانوا يقولون للشعوب التى يحتلونها: إننا ننقل لكم الحداثة ونساعدكم على التقدم، وسنبنى لكم مدنًا وطرقًا حديثة و«نعلمكم التحضر»، وكان أيضًا الاستغلال الاقتصادى والوصاية السياسية.
الاستعمار القديم كان يقول: «أنا بعمل لكم حاجة» بصرف النظر عن صحة ما يقول، أما استعمار دولة الاحتلال العبرية فهو ليس عنده ما يقدمه لدول المنطقة إلا فقط القوة الغاشمة والقهر والدمار واستغلال أخطاء أنظمة الحكم أو ضعف المجتمعات، لنجد أمامنا استعمارًا جديدًا يقتل فى غزة ويدمر فى إيران، ويعتبر أنه بذلك يغير الشرق الأوسط ويؤسس نظامًا جديدًا.
مشكلة ما تفعله إسرائيل أنها لم تجد من يحاسبها من خلال السياسة ومؤسسات الشرعية الدولية، ولا من يردعها من خلال القوة والصواريخ الباليستية، وسيبقى الحل بعد كل ما جرى فى المنطقة هو العودة إلى المقاومة المدنية والقانونية، ونأخذ ما قامت به جنوب أفريقيا «أسوة حسنة»، فليس مطلوبًا من الدول العربية محاربة إسرائيل ولا الانتقال من الاعتدال إلى الممانعة، إنما أن تتبنى نموذجًا سياسيًا كفؤًا، ودولة قانون تحترم شعوبها وتاريخها الوطنى وتنتقل من حالة «الاعتدال الخامل» إلى «الاعتدال الفاعل»، وتقود المقاومة المدنية ضد سياسات إسرائيل فى المنطقة بكل الأدوات القانونية والإعلامية والسياسية والتوقف عن المواقف الباهتة والحياد السلبى تجاه ما يجرى حولنا. من جرائم، وكأنها تجرى فى كوكب آخر لأنها إذا كانت تبدو بعيدة اليوم فإنها ستكون عندنا غدًا.
تعرف إسرائيل أنها دولة محصنة فوق القانون الدولى، وهى تتمتع بدعم عسكرى واقتصادى وسياسى هائل من أكبر دولة فى العالم، أى الولايات المتحدة، ومتأكدة أنها فوق المحاسبة مهما فعلت، والمطلوب أن يتبلور موقف عربى يعمل على إيقاف الحرب على إيران ووقف الاعتداءات على الدول العربية، بشروط العرب وليس بشروط إسرائيل، التى لن تحمل خيرًا لشعوب المنطقة.