بقلم: مصطفي الفقي
أتذكر من سنوات ما بعد حرب العراق على الكويت يوم أن انعقدت قمة عربية فى القاهرة، والتى أيدت إمكانية استعانة دول الخليج العربى وفى مقدمتها السعودية بقوات أجنبية لمنع صدام حسين من مواصلة عدوانه، ولقد حدثت فى تلك القمة مشادات كان أبرزها ما جرى بين الرئيس مبارك والعقيد القذافى فى جانب، وبين ياسر عرفات والفقيه القانونى المصرى الراحل د. مفيد شهاب فى جانب آخر، وتبادل الرئيسان الرسائل الحادة، وكان يتسلمها منى سفير العراق حينذاك فى القاهرة الدكتور نبيل نجم، ونتلقى منه رد صدام بعد ذلك بأيام قليلة من خلال رسائل مكتوبة، ولقد تداعت الأمور وطردت قوات التحالف العربى من مصر وسوريا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وبعض الحلفاء قوات الغزو العراقى وحررت الكويت، وقد تمكن الرئيس مبارك نتيجة لذلك من إسقاط معظم الديون العسكرية المطلوبة من مصر للحكومة الأمريكية.
وكانت العلاقات قد توثقت بين مصر ودول الخليج، خصوصًا المملكة العربية السعودية ودولة اتحاد الإمارات العربية فى ظل زعامة الشيخ زايد آل نهيان، رحمه الله، وكنت قد برحت منصبى فى مؤسسة الرئاسة وأصبحت مراقبًا للأوضاع من موقعى كباحث فى العلاقات الدولية أو مدير لمعهد الدراسات الدبلوماسية أو حتى سفير لمصر ومندوب مقيم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى فيينا، وأريد أن أشير هنا إلى ما لاحظته من توقير شديد من الرئيس الراحل مبارك لفئتين تحديدًا، هما رجال الدين الإسلامى والمسيحى، وكذلك رجال القضاء وسدنة العدالة، وأتذكر أثناء أحد احتفالات عيد الشرطة أن طلب الرئيس الراحل أن يتقدم رجال القضاء إلى الصفوف الأولى فى صدر القاعة قبل غيرهم من الوزراء وكبار المسؤولين، ولقد أبديت فى حديث لى احترامى للمستشار الجليل وجدى عبدالصمد رئيس محكمة النقض واحترامه لمنصبه وحرصه على كرامة القضاة فى عهدى السادات ومبارك، رحم الله الجميع، وذات يوم أبلغت الرئيس بأن الشيخ محمد الغزالى قد تعرض لوعكة صحية فطلبه بنفسه من الخط المباشر وأبدى حرصه على علاج الشيخ الكبير فى أى دولة يختارها، وهو أيضًا الذى استمع للشيخ الشعراوى حين قال له: إذا كنت قدرنا فأعاننا الله عليك، وإذا كنا قدرك فأعانك الله علينا، وقد ذكر أمامى شخصيًا أنه عرض مشيخة الأزهر على الشيخ الشعراوى من خلال رئيس الوزراء الراحل د. فؤاد محيى الدين، ولكنه اعتذر على حد قول رئيس الوزراء الأسبق، وهو ما نفاه الشيخ الشعراوى عندما أبلغته بذلك من خلال الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الشريف، الذى كانت تربطنى به صلة قوية منذ العمل معًا فى أنشطة منظمة الشباب العربى الاشتراكى مع نهاية ستينيات القرن الماضى، وأتذكر جيدًا أننا كنا نؤدى العمرة مع الرئيس الراحل مبارك، وبينما نحن فى المسجد الحرام بعد أداء إحدى الصلوات إذا بالإعلامى الراحل أحمد فراج يردد دعاءً طويلًا يناجى فيه رب العالمين لرعاية المستضعفين والرئيس يردد وراءه الدعاء لمدة تصل إلى عشر دقائق مؤثرة للغاية حتى بكى بعض المصلين، وهم يشهدون تلك الواقعة النادرة للبعد الدينى للرئيس الراحل مبارك.