تحدث علماء مسلمون أقدمون عن مكونات المدينة الإسلامية، وهى: المسجد الجامع، ومقر ولى الأمر والقاضى، والسوق، والأحياء السكنية، والقلاع والبوابات، ووضعوا تخطيطًا دقيقًا لتفاصيل هذه المكونات سواء كانت الأبنية أو المؤسسات الخدمية من وقف وقضاء ومدارس ومكتبات وكتاتيب ومكاتب عامة وأهلية وحمامات وموارد مياه ودور ضيافة ومراصد فلكية وإيوانات وميادين وحدائق عامة واستحكامات حربية من حصون وقلاع وأبراج وخنادق، فيما اهتم الحكام بتعبيد طرق المواصلات بين المدن الإسلامية وتأمينها.
وينتهى د، خالد عزب فى كتابه «المدينة الإسلامية.. العمارة والعمران» الفائز بجائزة الملك عبد الله الثانى للإبداع إلى شرح آثار المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية على المدينة المعاصرة، وأولها أن مبدأ التعمير صار يميل إلى الكم على حساب الكيف، ويسقط فى البذخ والاستعراض، حيث أقيمت منشآت ضخمة بسرعة فائقة، فعمت فوضى عمرانية لا تمت لبيئتها بصلة، سواء من حيث الموقع والمناخ أو من زاوية ملاءمتها للظروف الاجتماعية والحضارية، وكذلك ما تؤديه المدن من وظائف لصالح قاطنيها.
فى الوقت نفسه شاعت، فى نظر عزب، أشكال العمران وأنماطه المستوردة، التى لا تتفق مع قيمنا ولا تقاليدنا وبيئتنا وضرورة مراعاة الخصوصية، وذلك مع موجات المهندسين الذين نقلوا معارفهم أو ثقافاتهم المعمارية عن المفاهيم الغربية التى قدمتها الجامعات الأوروبية والأمريكية لهم، ما يحملهم مسؤولية تغيير معالم المدينة الإسلامية، ومسح شخصيتها وهويتها، بحجة تطويرها مع مقتضيات العصر.
ومع هذا التغير وقعت بعض المثالب مثل عدم توفير المتطلبات الأساسية للقيم الإسلامية فى مساكن الطبقات الشعبية، والقصور فى مشروعات الإسكان الحكومية، حيث يقوم معظمها على إيواء مستويات معينة من أصحاب الدخول أو المهنيين، ما نتج عنه خلق مجتمعات غير متكاملة اجتماعيًا وإسكانيًا.
فضلًا عن هذا خضعت المدينة المعاصرة لمقياس السيارة، فقد تزايدت معدلات حيازة السيارات الآلية دون معالجة الآثار المترتبة على ذلك، فالشارع يجب أن يكون مستقيمًا لتسهيل سرعتها، وعريضًا لتنظيم مرور السيارات المتقابلة، والساحات يجب أن تكرس لوقوف السيارات، والبناء يخضع فى تكوينه لاستيعابها، فيما يجب الفصل بين حركة المشاة وحركة السيارات، حتى لا تتحول الشوارع إلى جراجات كبرى، ويفقد الناس الهدوء والأمان.
على التوازى حدث تفكك اجتماعى فى الأحياء القديمة، يرجع إلى القصور فى الخدمات البلدية، وهجرة الطبقات الميسورة خارج الأحياء التاريخية، لتحل محلها هجرات عشوائية من الريف، أدت بمرور الوقت إلى تريف المدينة.
ففى عصور الازدهار الإسلامية أثر التقدم الثقافى والعلمى، الذى أحرزته الحضارة الإسلامية، على إيجاد بيئة عمرانية تحقق متطلبات الحياة الإسلامية، وعبرت البيئة العمرانية عن الفنون والزخارف المعمارية المستمدة من الثقافة الدينية والتقاليد.
أما فى العصر الحالى، ومع ما يسميه الكاتب «الغزو الحضاري»، سيطرت تشريعات وقوانين التخطيط العمرانى والمبانى المستمدة من النظم الأوروبية، وغابت أى معايير تخطيطية ومعمارية حاكمة وتراجعت أى حدود مرسومة للاحتياجات المناسبة لمجرى حضارتنا الإسلامية وتطورها الطبيعى فى مدننا ومساكننا فى ظل ظروفنا الحالية.
فى الوقت نفسه غابت ضرورة ربط المكونين المادى والمعنوى للمدينة ضمن أولويات معالجة أمراض المدن المعاصرة، وتم إهمال الترابط بين الجانبين، الذى يقوم على أن الأول مرآة الثانى فى أغلب الأحيان فالنتاج المادى هو نتاج فكر المجتمع وإبداع الإنسان، ولا يمكن أن يكون أصيلًا إلا إذا كان كذلك، ولا يتم على وجه أكمل فى ظل نظرة أحادية يتخلى فيها أصحابها عن التداخل والتفاعل بين هذين المكونين، إلا فيما ندر، بما يساعد على تجاوز الانفصام الفكرى والخلل الحضارى، الذى يصم مدننا المعاصرة، وهى مهمة يلقى إصلاحها على عاتق المفكرين والمخططين والمهندسين..
ومع طرح ضرورة هذا الترابط كخيار ضرورى للمدن الإسلامية تبرز قضية مهمة على الساحة لابد من مناقشتها بشكل جاد، وهى تخص المتغيرات والثوابت، حيث يكون من الخطورة بمكان أن يظل الخاصة من المسلمين فى مجال العمارة والعمران يتباحثون فى المتوارثات الحضارية على أنها صيغة مثالية، بينما يظل العامة منهم ينغمسون أكثر وأكثر فى معطيات المدينة الغربية مما يزيد الهوة اتساعًا، بين ما ينبغى أن يكون وما هو كائن، لاسيما مع اقتصار هذه المثاليات على النطاق الأكاديمى النظرى.
وهنا علينا ألا نعظم أو نضفى عصمة على الماضى فى هذا المجال، ونحن نسلك طريق البحث عن النموذج، آخذين فى الاعتبار المتغيرات والثوابت فى مختلف البلاد الإسلامية. فليس صحيحًا أن نعود إلى ما بناه الأوائل ونطبقه تمامًا لأن هذا ليس من أصول الشرع، ولأنه كان فى زمنه وسيلة لتحقيق الهدف من المدن، باستغلال إمكانات، والالتزام بقواعد وعوامل معينة تغيرت الآن.
لكن مع ثبات الأهداف علينا أن نجتهد كما اجتهد الذين من قبلنا ولا يضيرنا فى هذا أن ننقل بعضًا مما توصلوا إليه، ونترك البعض، كما أنه ليس من الحصافة ولا المصلحة أن ندير ظهورنا للتراث المعمارى بكامله، ونجنح إلى المأخوذ من بيئات غريبة علينا، ومن نظريات ومعايير فى المعمار والعمران ولدت فى أجواء وظروف مغايرة تمامًا لواقعنا.
وهنا لابد من أن يرتبط فهمنا بتصور مفيد يدرك أن ميلاد العمارة الإسلامية وتطورها قد تم من خلال التجربة والخطأ فى عهود الأسلاف حتى اكتمل لها المعيار، واستوت، الفكرة، وبانت الحلول الكفيلة بالقناعة الوظيفية والجمالية للمدينة، والتى تتناسب مع معطيات بيئتنا.
إن السيارة والقطارات ووسائل الاتصال الحديثة، والأعداد الهائلة من السكان، وما طرأ من تطور فى خدمات البنية الأساسية، كلها معطيات جديدة ومعقدة، يجب أن ندخلها فى الاعتبار ونحن نتصدى للمشكلات التى تواجه مدننا الحديثة والمعاصرة، بشكل جذرى وصريح، وعلينا هنا أن نتفهم أن محاولة الخروج من المأزق الحضرى الذى نعيشه، لا يقوم على تقليد أبنية إسلامية الخصائص دون أن تكون حديثة الوظائف.
فى خاتمة المطاف، من المهم التنبه إلى خطر الاتجاه السائد نحو عمارة الواجهات كحل سريع ولكنه مزيف، وأغلبه مجرد محاولات تهتم بالشكل على حساب المضمون، فى صور سطحية عابرة، يعتقد أصحابها أن توافرها يجعل مدينة ما إسلامية الطابع، وذلك باستخدام العقود أو القباب أو المشربيات، فهذه المكونات لا تؤدى فى أغلبها إلا دورًا جماليًا وليس وظيفيًا. فمثل هذا الاتجاه ليس سوى رؤية سطحية للعمارة الإسلامية بشكل عام.