بقلم: أسامة غريب
الشرير يرغب فى الأذى بدون شك، بينما الغبى قد لا يفكر فى إلحاق الضرر بأحد، ومع ذلك فإن الغبى أخطر من الشرير، والغباء يتفوق على الشر فى قدرته على إيذاء الأفراد وهدم الأوطان.
كان القس الألمانى ديتريش بونهوفر من الذين اهتموا بموضوع الشر والغباء وله كتب ومحاضرات صاغها أثناء صعود النازية. فى السجن الذى دخله الرجل عام ١٩٤٣ وجد الوقت ليفهم كيف وصل وطنه إلى هذا الحد من الوحشية، ويؤصل لنظريته عن الغباء. وجد بونهوفر أن النازية قد صعدت على أكتاف الغوغاء الذين رآهم بعينيه يرمون الحجارة على نوافذ السكان بدون سبب،
كما رآهم يهينون النساء والأطفال بمجرد أن يشير لهم أحد القادة الذين كانوا يذرعون الشوارع لفرض السيطرة وبث الرعب فى القلوب. كان بونهوفر يفكر كيف تحولت بلاد الشعراء والمفكرين إلى جماعة من الجبناء والمجرمين؟ ثم توصل إلى أن أصل المشكلة ليس الشر وإنما الغباء. كتب فى رسائله من السجن أن الغباء عدو للخير أخطر من الشر، فالشر يمكن أن نحتج عليه ويمكن كشفه ومواجهته بالقوة، أما الغباء فنحن أمامه بلا سلاح.. الاحتجاج لا ينفع، والقوة لا تفيد، والحقائق تقع على آذان صماء، والرأى المسبق الذى اعتنقه الغبى لا يمكن أن يتزحزح عنه، وهو فى كل هذا راضٍ عن نفسه وسريع الغضب، فيصبح خطيرًا حين يهاجم وقد يؤذى أقرب الناس إليه، ولهذا يحتاج التعامل معه إلى حذر أكبر من التعامل مع الشرير.
ويقول بونهوفر إننا لكى نتغلب على الغباء يتعين أن نفهم طبيعته أولاً فهو ليس نقصًا فى العقل بل هو عيب أخلاقى، وهناك أناس أذكياء جداً بمعيار «الآى كيو» وفى الوقت نفسه أغبياء، وهناك آخرون بطيئون فى الفهم لكنهم بعيدون عن الغباء، والانطباع الذى تكون عند بنهوفر أن الغباء ليس عيبًا يولد مع الإنسان بل إن الناس فى ظروف معينة يُجعلون أغبياء ويُدفعون دفعًا فى سكة الغباء، ويلاحظ أيضًا أن الذين يعيشون فى عزلة أقل تعرضًا للإصابة بهذا الغباء على العكس من الذين يعيشون فى جماعات، لهذا يظهر الغباء عند بونهوفر كمشكلة اجتماعية أكثر منها مشكلة نفسية،
فكل صعود قوى للسلطة سياسية كانت أو عسكرية أو دينية يصيب جزءاً كبيراً من البشر بالغباء وكأنه قانون فى علم النفس الاجتماعى، فقوة شخص تحتاج إلى غباء شخص آخر، والذى يحدث هنا ليس أن قدرات الإنسان العقلية تتعطل فجأة، لكن الذى يحدث أن الإنسان تحت ضغط قوة قاهرة يفقد استقلاله الداخلى ويتخلى بوعى أو بدون وعى عن موقفه الحر، والغبى فى هذه الحالة يكون أعمى واقعًا تحت تأثير سحر، وفى الوقت نفسه يكون مستغَلاً ومنتهكاً فى كيانه، والمعنى هنا أن الإنسان عندما يصبح بلا وعى أو عقل فإنه يتحول إلى أداة لكل شر. والحل كما يرى بونهوفر يكمن فى التحرر والتعليم، ولكن إلى أن يحدث هذا يجب التوقف عن أى محاولة لإقناع الشخص الغبى توفيراً للطاقة وصونًا للأعصاب.