بقلم:أسامة غريب
بتاريخ ٥ أبريل ٢٠٢٤ نشرتُ مقالًا بالمصرى اليوم عنوانه: هل تقدر إيران على الجنون؟. كان النشر صباح اليوم التالى لقيام إسرائيل بقصف القنصلية الإيرانية فى دمشق. فى ذلك الوقت كانت إيران تتذرع بما سُمى الصبر الاستراتيجى ولم يكن له مدلول سوى تناول الكف إثر الكف دون رد، والاكتفاء بالجملة السورية الشهيرة: نحتفظ بحق بالرد فى المكان والزمان المناسبين!.
ومن الطبيعى بالنسبة للحالة الهمجية التى تحكم الكيان الإسرائيلى أن التساهل يغرى بمزيد من العدوان. ليس بالنسبة لإسرائيل فقط، ولكن بالنسبة للأمريكان أيضًا، فلو أن الإيرانيين قد ردوا على مقتل قاسم سليمانى الرد المناسب لما وقعت كل الجرائم الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا بعد ذلك. اللين الإيرانى والردود الخجولة أدت إلى عملية البيجر التى قتلت وأصابت بضعة آلاف من مقاتلى حزب الله.
كانت المتفجرات موصولة بالأجهزة وبالإمكان تفجيرها قبل شهور طويلة ولكن إسرائيل أحجمت خشية رد الفعل، فلما أدركت أنه لن يكون هناك رد فعل موجع فإنهم ارتكبوا جريمتهم ثم صعدوا إلى أعلى الجبل وقتلوا السيد حسن نصر الله. كان بإمكان إيران أن تمنع قتله رغم أن اليد الإسرائيلية كان بإمكانها أن تطاله عدة مرات.. لو أن إيران أظهرت قوة حقيقية لما قتل قائد المقاومة اللبنانية ولا قتل إسماعيل هنية فى قلب طهران.
كانت إيران حتى فى عملية الوعد الصادق ١ فى فبراير ٢٠٢٥ ثم فى عملية الوعد الصادق ٢ عقب عدوان يونيو ٢٠٢٥ تتعامل بواقعية وتخشى الاقتراب من حافة الجنون، ذلك فى الوقت الذى كان نتنياهو ناكشًا شعره ومتقمصًا شخصية مجنون لا يسمح لأحد بالاقتراب منه بعد ما حدث فى طوفان ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.
فى العدوان الحالى الذى شنه نتنياهو وترامب فى ذروة المفاوضات عرف الإيرانيون أخيرًا فضيلة الجنون بعد أن أضاعوا وقتًا طويلًا فى الدبلوماسية والحيلة ومحاولة استرضاء الغرب والشرق وتفادى القتال.
فى أثناء حرب الاستنزاف بين شعب مصر وجيشها المجاهد من جهة ضد الصهاينة المجرمين كان القائد عبدالمنعم رياض يخشى حد الموت أن تقوم مفاوضات بيننا وبين إسرائيل تعيد لنا الأرض دون قتال.. والحمد لله أن هذا لم يحدث وحصلنا على أرضنا بالمزج بين القتال الشرس فى أكتوبر ٧٣ ثم التفاوض.
هذا الموقف نفسه تعيشه إيران حاليًا، فهى قد حاولت مرارًا الوصول إلى اتفاق مع الغرب يقيها شر القتال ويجلب العيشة المطمئنة لشعبها، وفى كل مرة كان الإصلاحيون المعتدلون فى طهران يتلقون كفًا صهيونيًا أمريكيًا غادرًا، حتى وصلت الأمور اليوم إلى فهم وإدراك عميقين فى الوعى الإيرانى أن القوة فقط حتى لو لم تكن متناظرة ضد العدوان الصهيونى هى التى من شأنها أن تنقذ إيران من الذل والهوان. النخبة الممسكة بالسلطة الآن والتى لا يعرف أحد شخوصها لم تعد تؤمن سوى بالجنون فى وجه الكون.