قامت إسرائيل بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بإبادة جماعية غير مسبوقة في غزة، ثم قامت بغزو جنوب لبنان وهجرت القرى والمواطنين واحتلت ما يقرب من 10 كيلومترات داخل الحدود اللبنانية، واقتسمت جزءاً من الأراضي السورية ودخلت حرباً مفتوحة مع إيران، تلك الحرب التي كان يحلم بها أي ضابط إسرائيلي منذ نشأة كلياتهم العسكرية، فهل إسرائيل أكثر أمناً الآن؟
الإجابة باختصار لا.
إذا أخذنا لبنان مثالاً اليوم نرى بوضوح أنَّ حرب بنيامين نتنياهو، السياسي الذي يعج ملفه بالفساد، ليست كحرب جنرال متمرس ومحترف مثل أرييل شارون رغم ارتكابه فظائعَ في صبرا وشاتيلا لا تقل إلا قليلاً عن الإبادة التي قام بها نتنياهو في غزة.
حاول أرييل شارون إعادة هندسة السياسة في لبنان بتحالف مع بشير الجميل، وكانت خطة شارون الاستراتيجية لها 3 ركائز، طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وطرد السوريين وتنصيب بشير الجميل رئيساً بعدها يوقع اتفاقاً فورياً مع إسرائيل.
استطاع شارون طرد منظمة التحرير من لبنان ونقلها إلى تونس، ونصب بشير الجميل رئيساً لكن الجميل رفض التوقيع على سلام ثنائي دون توافق لبناني وعربي، وخاب مسعى شارون في هذه النقطة وجرب شارون ان يستخدم ميليشيات الجميل كغطاء للمذابح ضد الفلسطينيين وأعداء إسرائيل في لبنان، ولكن الجميل رفض أيضاً أن يكون أداة للاحتلال كان هذا أثناء حصار بيروت، حينما اكتشف شارون أن تحالفه مع الجميل وقواته هو ائتلاف مصالح وليس تبعية مطلقة لإسرائيل.
خطط الجنرال بكل هذا في بيروت وزار بيت الجميل ونسق وزارت قواته المخيمات الفلسطينية، وذبحت من ذبحت في صبرا وشاتيلا، ومع ذلك فشل شارون في الاحتفاظ بلبنان كدولة تحت الاحتلال، وفشل في توقيع اتفاق سلام عاجل من دون توافق الأطراف والمكونات الداخلية في لبنان ومن دون توافق عربي كما كشفت تقارير ما بعد الحرب، إذا فشل الجنرال فكيف لنتنياهو أن ينجح؟
ما نراه اليوم من نتنياهو ليس بالأمر الجديد فيما يخص لبنان وإعادة هندسة السياسة فيه كما أنه ليس جديداً أن يخرج بخرائط إسرائيل الكبرى التي يعرضها في كل مكان، بما في ذلك قاعات الأمم المتحدة، كل ذلك فعله شارون بصورة أفضل ومع ذلك فشل.
الفارق الجوهري بين الرجلين ليس فقط في الخلفية العسكرية، بل في فهم طبيعة الدولة اللبنانية وتركيبتها.
شارون تعامل مع لبنان كفسيفساء طائفية يمكن إعادة ترتيبها بالقوة والتحالفات، لكنه اصطدم بحقيقة أن لبنان شبكة توازنات دقيقة داخلية وإقليمية. أما نتنياهو فيتعامل مع لبنان باعتباره ساحة فراغ يمكن ملؤها بالقوة الجوية والتدمير المنهجي، من دون الحاجة إلى مشروع سياسي متكامل.
في خضم هذه الحرب ظهرت صور هزَّت الوعي العالمي، وأثرت في صورة إسرائيل داخل بيئات كانت تقليدياً أقرب إليها ومنها مشاهد لجندي إسرائيلي وهو يحطم تمثالاً للمسيح داخل موقع ديني بأداة تكسير ثقيلة، لم تكن الواقعة في ذاتها حدثاً عسكرياً ذا وزن، لكنها تحولت إلى لحظة سياسية كاشفة، إذ اعتبرها كثيرون اعتداء على الرمزية الدينية وليس فقط ضرراً جانبياً للحرب، وتوالت ردود الفعل من مؤسسات كنسية وشخصيات دينية في أوروبا والولايات المتحدة، مطالبة بالمساءلة واحترام المقدسات. وطرحت أسئلة كثيرة عن «الجيش الأخلاقي» وسلوكه.
تحت هذا الضغط خرجت الحكومة الإسرائيلية ببيانات اعتذار في محاولة لاحتواء الغضب، غير أن الأثر الأعمق كان في تآكل الصورة الأخلاقية لإسرائيل داخل المجتمعات الغربية. فالدعم الذي كان يبدو صلباً بدأ يتعرض لتصدعات تدريجية ليس بسبب حادثة واحدة بل نتيجة تراكم صور وسرديات تعكس حرباً بلا حدود واضحة، أو أهداف سياسية قابلة للتحقق ولا أخلاق.
في تجربة شارون كان هناك تصور سياسي واضح حتى إن كان فجّاً، دولة لبنانية حليفة توقع سلاماً وتخرج من الصراع العربي الإسرائيلي. أما في حالة نتنياهو فلا يبدو أن هناك نهاية سياسية للحرب. بل إدارة دائمة للفوضى. وهذا الفارق مهم لأن الحروب لا تقاس فقط بما تدمره بل بما تبنيه بعدها. شارون حاول البناء وفشل بينما نتنياهو لا يحاول أصلاً، فمشروعه هو الدمار وفرض السلام بالقوة.
فارق مهمٌّ أيضاً بين شارون ونتنياهو، هو أن البيئة الإقليمية قد تغيرت بشكل جذري. في الثمانينات كانت سوريا لاعباً مركزياً يمكن التفاوض معه أو مواجهته ضمن توازنات الحرب الباردة، اليوم هناك حركات أكثر قوة وقدرة وتنظيماً، لم تكن هناك في الثمانينات من القرن الماضي؛ وهناك إيران كلاعب إقليمي مباشر، وهناك نظام دولي أقل قدرة على فرض تسويات، هذا يعني أن أي مشروع لإعادة هندسة لبنان بالقوة سيواجه تعقيدات أكبر بكثير مما واجهه شارون.
مهم أيضاً أن نعرف أن المجتمع الإسرائيلي نفسه تغير. في زمن شارون كان هناك استعداد لتحمل تكلفة الحروب الطويلة نسبياً، أما اليوم فالمجتمع أكثر انقساماً وأقل صبراً، والاقتصاد أكثر ارتباطاً بالعالم ما يجعل الحروب المفتوحة عبئاً داخلياً وليس فقط مغامرة خارجية.
وبناء عليه، فإن أي محاولة لاحتلال طويل أو إعادة تشكيل سياسي بالقوة، ستصطدم بحدود القدرة الإسرائيلية ذاتها التي انكشفت في السابع من أكتوبر، ومن بعدها في إيران.أما على مستوى الشرعية الدولية، فإن ما كان ممكناً في 1982 لم يعد ممكناً اليوم بالسهولة نفسها. صور الدمار والقتل والإبادة في غزة وضرب البنايات التي يسكنها مدنيون في قلب بيروت تنتقل لحظياً. وهذا يؤدي إلى تراكم الضغوط السياسية والاقتصادية. هذا ربما لا يوقف الحرب، ولكن هذه الضغوط تحد من قدرتها على تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
هذا السرد يقودنا إلى نتيجة واضحة: إذا كان شارون بكل ما امتلكه من خبرة عسكرية ورؤية استراتيجية ودعم سياسي قد فشل في فرض نظام لبناني جديد يخدم إسرائيل، فإن نتنياهو الذي يفتقر إلى هذه العناصر، ويعتمد أساساً على القوة الغشيمة أقرب إلى تعميق الفوضى في الإقليم كله منه إلى تحقيق نصر استراتيجي.
السؤال الحقيقي ليس هل سينجح نتنياهو، بل كم سيدفع الجميع ثمن هذا الفشل المتوقع؟ لأن الحروب التي بلا أفق سياسي لا تنتهي بانتصارات بل بكوارث جديدة. لبنان قد يدخل مساراً لا رجعة فيه، وبكل تأكيد إذا ما جرى لبنان في هذا المسار، فإن إسرائيل لن تنعم بالأمن الذي يفرضه سلام القوة المصنوع في عقل نتنياهو المريض.