بقلم : عبد اللطيف المناوي
تحدثنا من قبل عن التمويل الاستهلاكى باعتباره ظاهرة اقتصادية واجتماعية آخذة فى الاتساع، تحمل داخلها فرصًا ومخاطر فى الوقت نفسه. قلنا إن المشكلة ليست فى فكرة التقسيط ذاتها، وإنما فى انتقال المجتمع بسرعة إلى اقتصاد الديون الصغيرة المتراكمة، من دون استعداد اقتصادى كافٍ، أو وعى مالى حقيقى، أو حماية قانونية فعالة.
كانت المخاوف الأساسية تدور حول الفوائد المرتفعة، وغرامات التأخير، وأساليب التحصيل القاسية، وضعف قدرة المواطن على فهم التكلفة النهائية للتمويل. لكن الواقعة الأخيرة، التى كشفت عن تمويلات استهلاكية مسجلة باسم مئات من أولياء الأمور دون علمهم، تنقل النقاش إلى مستوى أكثر خطورة. لم نعد أمام مواطن وقّع عقدًا دون أن يقرأه جيدًا، أو تعثر فى سداد قسط، أو اكتشف أن الفائدة الفعلية أعلى مما تصور. نحن أمام استخدام بيانات شخصية فى إنشاء مديونيات لم يطلبها أصحابها أصلًا.
بدأت القصة عندما فوجئ ولى أمر عند توجهه إلى بنك للتقدم للحصول على بطاقة ائتمانية بوجود قرض تعليمى مسجل باسمه، اكتشف أن المدرسة كانت قد حصلت فى وقت سابق على صورة من بطاقته الشخصية حصلت بها على قرض باسمه. ثم اتسعت ليكتشف أن هذا حدث مع مئات آخرين من أولياء الأمور.
هذا نموذج لما يمكن أن يحدث عندما تتقاطع ثلاث ثغرات، توسع سريع فى التمويل الاستهلاكى، ضعف حماية البيانات الشخصية، وقصور فى إجراءات التحقق من هوية العميل وموافقته الحقيقية. التمويل الاستهلاكى فى تعريفه البسيط يتيح للفرد الحصول على سلعة أو خدمة الآن، وسداد قيمتها لاحقًا على أقساط. ما كشفته الواقعة الأخيرة يُظهر الخطر الحقيقى. إذا كانت صورة بطاقة شخصية تكفى، أو يمكن استخدامها ضمن مسار تمويلى دون تحقق مباشر وحقيقى من صاحبها، فإن ملايين المواطنين يصبحون مكشوفين أمام احتمال إساءة استخدام بياناتهم. فالمواطن يقدم بطاقته يوميًا إلى عدة جهات. فإذا تحولت هذه البيانات إلى مدخل لإنشاء التزامات مالية، فإن الثقة بين المواطن والمؤسسات تتعرض لضربة عميقة. هذه الواقعة أنها تكشف هشاشة بنية كاملة. فالسوق توسع بسرعة، عدد العملاء تجاوز 10.8 مليون، بقيمة تمويلات تقارب 96.3 مليار جنيه. هذه أرقام ضخمة فى مجتمع يعانى أصلًا من تضخم مرتفع، وتراجع فى القدرة الشرائية، وضعف فى معدلات الادخار.
فى الظروف الطبيعية، يحتاج هذا النوع من التوسع إلى رقابة مشددة، لا لاحقة فقط، بل وقائية أيضًا. لأن التمويل الاستهلاكى ليس منتجًا ماليًا عاديًا، هو يدخل مباشرة إلى حياة الأسر. وكل خطأ فيه يؤدى إلى أزمة نفسية واجتماعية وقانونية قد تلاحق المواطن لسنوات.
الإجراءات التى أعلنتها هيئة الرقابة المالية بعد الواقعة تبدو فى الاتجاه الصحيح. فقد شددت قواعد التعرف على العملاء، ومنعت تفويض جهات خارجية فى القيام بإجراءات التعرف على العميل أو جمع بياناته نيابة عنها، وألزمت ممثلى شركات التمويل بالتعامل المباشر مع العميل والتحقق من شخصيته.
لكن لماذا ننتظر الواقعة الكبرى حتى نكتشف الثغرة؟