العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

 العرب اليوم -

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

بقلم : أمير طاهري

«نعم، ولكن» ـ «ولكن» كبيرة للغاية! ـ بهذا الجواب ردَّ مسؤولون فرنسيون - تحدَّثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم - حين سُئِلوا عمّا إذا كانوا قد أُعجِبوا برئيس الوزراء العراقي الزائر، علي فالح الزيدي.

ركز الجانب الخاص بـ«نعم» من الإجابة على رؤية الزيدي، (41 عاماً)، والذي يبدو سياسياً شاباً يتمتع بما يكفي من الكاريزما لضمان استمرارية أطول في المشهد السياسي العراقي، الذي شهد صعوداً وسقوطاً خاطفاً للسياسيِّين منذ سقوط حكم «حزب البعث».

أما جانب «ولكن»، فتركَّز حول ما إذا كان الوافد الجديد إلى الساحة السياسية، سيبدي الحزم الكافي لمواجهة خليط من قوى محلية وخارجية مُصمِّمة على إبقاء «عراق ما بعد (البعث)» في حالة من التيه والضياع. وكما هو معتاد في مثل هذه المناسبات، جرت الاستعانة بعدد من الأقلام الذهبية للتوقيع بالأحرف الأولى على سلسلة من مذكّرات التفاهم، سواء مع الدولة الفرنسية، أو مع شركات القطاع الخاص.

من جهتها، وافقت شركة الطاقة العملاقة المملوكة جزئياً للحكومة، «توتال إنيرجي» على زيادة استثماراتها في العراق، من 12 إلى 16 مليار دولار، من دون تحديد إطار زمني معين.

كما شهدت الزيارة توقيع مذكرة تفاهم أخرى مع مؤسسة أخرى شبه حكومية، لبناء مركز بيانات ضخم بالقرب من بغداد. ووافق الزيدي كذلك على إحياء جانب من العلاقة الخاصة، التي كانت تجمع العراق بفرنسا خلال عهد صدام حسين بالمجالات العسكرية.

ورغم أن الاتفاق لم ينص على ذلك صراحةً، فإنه ألمح إلى أن العراق سيحول جزءاً من مشترياته من الأسلحة من الولايات المتحدة إلى فرنسا. وتتضمَّن مذكرة تفاهم أخرى إنشاء مجمّع لتصنيع الطائرات من دون طيار داخل العراق.

وواصلت الأقلام الذهبية نشاطها في اليوم التالي، حين توجه الزيدي - منتشياً بلِقائه الذي استغرق وقتاً أطول من المتوقع مع الرئيس إيمانويل ماكرون - إلى برلين للاجتماع بالمستشار فريدريش ميرتس. ومن بين القضايا التي تصدرت محادثات برلين، الحاجة إلى تنويع مسارات تصدير الطاقة العراقية. والمغزى الضمني لهذا الطرح افتراض باريس وبرلين أن إيران ستستمر في سياسات المناورة والمخاطرة في مضيق «هرمز».

من جهتهم، قال مراقبون دبلوماسيون في باريس وبرلين إن العراق في عهد الزيدي، يبدو شريكاً واعداً بصورة أكبر، مقارنة برؤساء الوزراء السابقين منذ سقوط نظام «البعث». ومع ذلك، لا يزال يتعين على الزيدي اجتياز عدد من الاختبارات.

وبحسب مصدر فرنسي رفيع المستوى، فإن «الاختبار الأول أن يثبت مدى استقلاليته عن النظام في طهران». ويبدو هذا طرحاً في محله تماماً؛ إذ لم يكن بوسع الزيدي أن يتولى منصب رئيس الوزراء من دون موافقة الأحزاب الشيعية والكردية المرتبطة بطهران.

لكن حدسي يخبرني بأن الزيدي - بل وجيلاً كاملاً من السياسيين العراقيين الجدد - يتوقون إلى الفكاك من الأغلال، التي فرضها الخمينيون في مرحلة ما بعد صدام. وعلينا ألّا ننسى أنه في عهد الرئيسين باراك أوباما وجو بايدن، كان التدخل الإيراني في الشأن العراقي يحظى بقبول ضمني من واشنطن. ومع تعرض النظام الخميني لضعف شديد وعجزه عن صياغة سياسة خارجية متماسكة، باتت الفرصة سانحة أمام العراقيين للمضي في مسارهم الخاص. ويتمثل الاختبار الرئيس الآخر للزيدي في قدرته على الوفاء بوعده حل الفصائل المسلحة، التي تتصرف كدولة داخل الدولة. ويبدو أن كلاً من ماكرون وميرتس أمضيا جانباً كبيراً من مباحثاتهما مع الزيدي، للتركيز على هذه «الحاجة الماسة».

وبطبيعة الحال، فإن الحكومة العاجزة عن منع الميليشيات المدعومة أجنبياً، من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو بلدان أخرى، لا يمكن التعاطي معها بوصفها شريكاً جاداً في قضايا الدفاع والأمن. وفي هذا السياق، ينطوي سجل الزيدي حتى اللحظة على تباين واضح، على أفضل تقديره.

من بين الفصائل الخمسة الخاضعة لسيطرة طهران، وافق اثنان فقط على الانضواء تحت مظلة الأجهزة الأمنية الرسمية. بالتأكيد هذه خطوة إيجابية، لكنها غير كافية؛ إذ ستحتفظ تلك الجماعات بجزء من سلاحها وهيكلية قيادتها التراتبية بصورة أخف، لتعمل اسمياً تحت نظام رسمي أكبر.

في المقابل، تملصت 3 فصائل أخرى - وهي الأكثر جموحاً - من أي اتفاق مع حكومة الزيدي، متخذة من «مكافحة تنظيم داعش» ذريعة لستر تصرفاتها. ويظل حل هذه الفصائل شرطاً لا غنى عنه لقبول العراق بوصفه شريكاً جاداً للاتحاد الأوروبي. وسواء استمرَّ العرض المسرحي الجامع بين عنصري المأساة والملهاة في مضيق «هرمز»، فإن فكرة ربط الموارد النفطية الضخمة للعراق بالأسواق الأوروبية عبر خطوط أنابيب تمتد إلى البحر الأبيض المتوسط، تبدو منطقية سياسياً وتجارياً.

غير أن هذا المشروع يظل رهن مسارين أساسيَّين، الأول: أن تحقق سوريا - المسار الأفضل تجارياً - قدراً من الاستقرار في ظل سيادة القانون، أمر قد يبدو بعيد المنال. ولتحقيق ذلك، يتعين على إسرائيل وتركيا كبح أطماعهما في سوريا، حيث تسعيان لإنشاء مناطق نفوذ بالقرب من حدودهما مع هذا البلد، الذي مزَّقته الحرب.

أما المسار الثاني الذي يمر عبر إقليم كردستان العراق إلى تركيا، فيتطلب هو الآخر تغييراً في مخططات أنقرة الهادفة إلى انتزاع «حق الإشراف» على أجزاء من شمال العراق، مع تغذية النزعات الانفصالية لدى التركمان بذريعة انتهاء صلاحية «معاهدة لوزان» الشهيرة.

فضلاً عن ذلك، تواجه فرنسا وألمانيا سلسلة من الملفات العالقة مع بغداد، وهي منغصات صغيرة تقوض الثقة بين الأطراف. من جهتها، تشعر برلين بالقلق إزاء بضع عشرات من المواطنين الألمان من أصول كردية تركية قابعين في السجون العراقية. وانتقل هؤلاء المسلحون المفترضون إلى العراق لتأسيس فرع لحزب العمال الكردستاني المنحل، لشن عمليات مسلحة ضد إيران، قبل أن تقبض عليهم مجموعات كردية عراقية مدعومة من إيران وتسلمهم لسلطات بغداد.

أما الشاغل الرئيس لفرنسا، فيتعلق بالتعويضات المالية، التي يلتزم العراق بدفعها لعدد من الشركات الفرنسية، التي تضررت إبان الإطاحة بصدام.

من جهته، يمتلك العراق المقومات الجيوسياسية والديموغرافية والثقافية، التي تؤهله للعب دور أكبر من حجمه الحالي، خصوصاً في وقت باتت فيه المنطقة بأسرها مهيأة لعملية إعادة تشكيل تاريخية.

كما يحتاج العراق إلى إعادة فرض هيبة الحكومة المركزية، وتحقيق قدر أكبر من الانسجام بين شطري إقليم كردستان، وترسيم حدود الجرف القاري مع الكويت، وبناء روابط أوثق مع مجلس التعاون الخليجي والأردن، وإعادة فتح وتفعيل شط العرب، من دون تبني موقف معادٍ لإيران.وباستثناء العمليات غير المحسوبة لوكلاء طهران المذكورة سلفاً، نأى العراق بنفسه عن المستنقع الذي أدى إلى اشتعال حرب عبثية في المنطقة.

والسؤال الآن: هل يستغل الزيدي هذه الفرصة؟ الإجابة: نعم، لكن بشرط... شرط كبير للغاية.

arabstoday

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 04:08 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 04:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 04:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 03:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 05:11 2026 الأربعاء ,16 أيلول / سبتمبر

عالم رياضيات شهير يحظر الذكاء الاصطناعي على طلابه

GMT 08:25 2026 الأربعاء ,16 أيلول / سبتمبر

شريف منير يحسم موقفه من المشاركة في «سهر الليالي 2»

GMT 04:32 2026 الأربعاء ,16 أيلول / سبتمبر

أتراك وألمان

GMT 07:00 2026 الأربعاء ,16 أيلول / سبتمبر

الجيش الأميركي يدمر زورقين إيرانيين في مضيق هرمز
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab