بقلم: عبد اللطيف المناوي
عندما بدأت الخسائر الإسرائيلية تتضح، لم يتصرف كيسنجر باعتباره راعياً لانتصار مصرى متفق عليه. أخّر التحرك فى مجلس الأمن ليمنح إسرائيل وقتاً لاستعادة مواقعها، ثم شارك فى ترتيب الجسر الجوى الأمريكى الضخم بعد أن ظهرت أزمة الذخائر والمعدات الإسرائيلية. وتسجل الوثائق أنه أراد خلق وضع يضطر فيه العرب إلى طلب وقف إطلاق النار. قد يكون كيسنجر بعد ذلك قد أدرك قيمة النتيجة المصرية فى فتح باب الدبلوماسية، وقد يكون استثمر الحرب ببراعة لإبعاد مصر عن الاتحاد السوفيتى وتعظيم الدور الأمريكى، لكن المستفيد من الحدث ليس بالضرورة صانعه.
صحيح أن السادات أراد حرباً ذات هدف سياسى، ولم يكن يتصور تحرير سيناء كلها فى حملة واحدة. وصحيح أن الخطة العسكرية التزمت فى مرحلتها الأولى بعمق محدود تتيحه مظلة الصواريخ المصرية. لكن الحرب المحدودة ليست حرباً مسرحية، والهدف السياسى لا يلغى الحقيقة العسكرية. كل حرب عاقلة تخاض لتحقيق غاية سياسية. وكانت الغاية المصرية كسر الجمود، وإسقاط نظرية الأمن الإسرائيلى، وإثبات أن احتلال الأرض لن يظل بلا ثمن.
ليس بالضرورة دفاعاً عن حرب أكتوبر، تجاهل الثغرة أو حصار الجيش الثالث أو الخلافات داخل القيادة المصرية أو الجدل حول تطوير الهجوم. بل إن الاعتراف بهذه الوقائع يجعل الدفاع عن الإنجاز أكثر صدقا. لم تكن الحرب سلسلة انتصارات بلا أخطاء، لكنها حققت ما عجزت عنه سنوات السياسة، عبر الجيش المصرى الذى عبر القناة، وحطم خط بارليف، وأفشل الهجوم الإسرائيلى المضاد فى الأيام الأولى، وأسقط وهم الجيش الذى لا يُقهر. وعلى الجبهة السورية خاض الجيش السورى معارك قاسية، وأسهمت قوات ودعم دول عربية متعددة، بينما منح سلاح النفط المعركة بعدها الاقتصادى والدولى.
كانت النتيجة العسكرية فى أيامها الأخيرة مركبة، لكن نتيجتها الاستراتيجية واضحة، ما كان ممكناً قبل السادس من أكتوبر لم يعد ممكناً بعده. انتهت قدرة إسرائيل على التعامل مع الاحتلال بوصفه وضع دائم منخفض التكلفة، واضطرت الولايات المتحدة إلى الانخراط فى تسوية كانت تؤجلها، وبدأ مسار انتهى باستعادة مصر كامل سيناء.
هناك اتجاه يظهر من وقت إلى آخر يريد تجريد مصر والعرب من كل إنجاز، كما لو أن العقل العربى لا يستطيع أن يخطط، والجندى العربى لا يستطيع أن ينتصر، والقائد العربى لا يستطيع أن يتخذ قرارا من دون إذن يصله من واشنطن أو موسكو. وهو اتجاه لا يراجع الرواية الرسمية بقدر ما يستبدل بها رواية أخرى أكثر بساطة وإثارة، لكنها أقل احتراماً للوقائع.
التاريخ ليس بيانا عسكريا، ولا ينبغى أن يكون أسطورة وطنية مغلقة. لكنه أيضاً ليس ساحة مجانية للادعاءات.
لم يقترح كيسنجر على مصر أن تحارب. لقد قال لها، بمعنى شديد القسوة، إن المهزوم لا يستطيع أن يطلب شروط المنتصر. فقررت مصر أن تغير الصفة التى يخاطبها بها.
لم تأخذ القاهرة إذنا لتعبر القناة، عبرت القناة لكى تجبر العالم، وفى مقدمته واشنطن، على أن يتعامل معها بغير لغة المهزوم.