بقلم : عبد اللطيف المناوي
لا تأتى الاكتشافات الإنسانية الكبرى دائمًا من لحظات استثنائية أو أحداث صاخبة، بل كثيرًا ما تتشكّل بهدوء، عبر احتكاك مباشر بأشخاص يجسّدون المعنى الحقيقى للعلم حين يتحوّل إلى مسؤولية أخلاقية. هكذا قادتنى الصدفة إلى التعرف على الدكتور تامر عويس، جراح القلب المصرى–الألمانى، فى تجربة شخصية كشفت لى نموذجًا نادرًا يجمع بين القمة العلمية والعمق الإنسانى.
التقيته فى مصر ثم فى المستشفى الجامعى بمدينة أوجسبورج الألمانية، القريبة من ميونخ، حيث كان يترأس قسم جراحة القلب، إلى جانب دوره الأكاديمى فى الجامعة. من اللحظة الأولى، كان واضحًا أننا أمام اسم له وزنه فى المنظومة الطبية الألمانية، وهى منظومة لا تمنح مواقعها القيادية إلا بعد اختبارات صارمة من الكفاءة والانضباط والعمل الجماعى. فقيادة قسم جراحة القلب فى مستشفى جامعى بألمانيا ليست منصبًا إداريًا فحسب، بل اعتراف علمى ومهنى بمستوى عالٍ من الخبرة والقدرة على اتخاذ القرار فى أكثر التخصصات الطبية حساسية.
ينتمى الدكتور تامر إلى جيل من الجراحين الذين راكموا خبراتهم بين مصر وألمانيا، ونجحوا فى الاندماج الكامل داخل مدرسة طبية تُعد من الأكثر تقدمًا فى العالم. تخصّص فى جراحات القلب طفيفة التوغل، وجراحات الصمامات والشرايين التاجية المعقّدة، وشارك فى أبحاث ومنشورات علمية محكّمة، وله حضور معروف داخل الدوائر المهنية المتخصصة. هذه المكانة أتت بسنوات من العمل الدقيق، والالتزام الصارم بالمعايير العلمية، والقدرة على قيادة فرق طبية متعددة الجنسيات.
غير أن ما لفت انتباهى، وربما ما يفسّر ثقة المرضى به قبل أى شىء آخر، لم يكن فقط إنجازه العلمى، بل طبيعته الإنسانية الهادئة. فى تعامله مع المرضى، لا يتصرّف كـ «جراح نجم»، بل كطبيب يستمع، يشرح، ويمنح المريض شعورًا نادرًا بالأمان. هذا الجانب الإنسانى ليس تفصيلًا هامشيًا، بل عنصرًا أساسيًا فى بناء الثقة، خصوصًا فى جراحات القلب، حيث لا يسلّم المريض جسده فقط، بل حياته كاملة لمن يجرى له الجراحة. وعشت شخصياً معه هذا الجانب.
تجلّى هذا المعنى ايضا بوضوح فى واقعة عرفت بها خلال إحدى زياراته إلى مصر، حيث يحرص بانتظام على العودة لإجراء جراحات معقّدة ونقل خبراته. جاءت سيدة لإجراء جراحة قلب، وكان أمامها خياران طبيان، كلاهما يؤدى إلى نتيجة إيجابية، لكن أحدهما أكثر تطورًا: جراحة أقصر زمنًا، أقل ألمًا، وأسرع تعافيًا، لكنها أعلى تكلفة.
اختارت ابنة المريضة الجراحة الأطول والأكثر تعقيدًا، ليس لقناعتها الطبية، بل لأن تكلفتها أقل. هنا لم يتعامل الدكتور تامر مع الأمر كاختيار إدارى أو مالى، بل كمسألة ضمير مهنى. شرح الفروق الطبية بوضوح، وحين أدرك أن العامل المادى هو الحاسم، اتخذ قرارًا يعكس فلسفته فى الطب، قرر التنازل عن الفارق المالى من أجره الشخصى، ليُجرى للمريضة الخيار الأفضل طبيًا، دون أن يُخبر الابنة بذلك إلا بعد انتهاء الجراحة بنجاح.
الدكتور تامر عويس استطاع أن يظل إنسانًا، وهو يقف على قمة العلم.