بقلم: عبد اللطيف المناوي
كلما ضاق الحاضر، اتسعت مساحة الماضى فى الذاكرة. نستعيد شوارع كانت أكثر هدوءا، وعلاقات بدت أكثر دفئا، وأغنيات نعتقد أنها كانت أصدق، وصحافة أكثر مهنية، ومدارس أفضل، وحياة أبسط. نكرر أن الناس كانوا أكثر احتراما، وأن المدن كانت أقل قسوة، وأن العالم، رغم فقره وصعوباته، كان أوضح وأقل ارتباكا.
لكن هل كان الماضى بالفعل كما نتذكره؟
الذاكرة ليست مؤرخا محايدا. إنها تنتقى، وتحذف، وتعيد ترتيب المشاهد. تحتفظ غالبا بالوجوه التى أحببناها، وتتخفف تدريجيا من قسوة الخوف والفقر والمرض والقيود. وعندما نستعيد مرحلة من حياتنا، فإننا لا نفتقد الزمن وحده، بل نفتقد أعمارنا التى عشناها فيه، طاقتنا القديمة، وأصدقاء غابوا، وفرص كانت لاتزال مفتوحة. وربما يشتاق الإنسان إلى نفسه فى الماضى أكثر مما يشتاق إلى الماضى ذاته.
ومع ذلك سيكون من السهل والظلم أن نعتبر كل حنين وهما. هناك أشياء فقدناها بالفعل. تراجعت مساحات اللقاء الإنسانى، وأصبحت العلاقات أسرع وأخف، وضاقت المسافة بين الخاص والعام حتى كادت تختفى. تراجع احترام الخبرة أمام سطوة الانتشار، وحلّ التعليق العاجل أحيانا محل المعرفة، وأصبحت السرعة معيارا يسبق الجودة. ليست كل مقارنة بالماضى هروبا، بعضها اعتراض مشروع على خسائر حقيقية صنعتها الحداثة ولم تعوضنا عنها.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الحنين من ذاكرة شخصية إلى برنامج سياسى أو اجتماعى. فالماضى لا يمكن استعادته بشكل كامل، ومحاولة إعادته تنتج غالبا نسخة مصطنعة منه. كثير من الحركات السياسية والفكرية بنت جاذبيتها على وعد بالعودة إلى «عصر ذهبى»، متجاهلة أن ذلك العصر لم يكن ذهبيًا للجميع، وأن وراء صورته اللامعة فئات دفعت ثمن لم يظهر فى الرواية الرسمية.
المجتمع الواثق من مستقبله يتعامل مع ماضيه بهدوء، يحفظه ويدرسه وينتقده. أما المجتمع القلق، فيحول الماضى إلى ملجأ. وكلما فقد الناس القدرة على تخيل غدٍ أفضل، بالغوا فى تجميل الأمس. لذلك فإن انتشار الحنين ليس مجرد ظاهرة ثقافية، بل قد يكون مؤشرا على أزمة ثقة فى الحاضر وعجزا عن إنتاج الأمل.
الوفاء للماضى لا يعنى أن نسكن فيه، بل أن نفهم ما يستحق أن نحمله منه. يمكن أن نستعيد قيمة الجيرة من دون أن نرفض المدينة الحديثة، واحترام المعلم من دون إعادة نظام تعليمى قديم، ومهنية الصحافة من دون إنكار التحول الرقمى. المطلوب ليس إعادة الزمن، وإنما إنقاذ القيم التى منحته معناه، ثم منحها صورة تناسب زمن جديد.
هناك فارق دقيق بين الوفاء والهروب. الوفاء يجعل الماضى خبرة تساعدنا على بناء الحاضر، أما الهروب فيجعله غرفة مغلقة نحتمى فيها من واقع لا نريد مواجهته. لم تعد المسألة إن كان الماضى أجمل، إنما لماذا أصبح حاضرنا يبدو أمامنا عاجزا عن تقديم ما يستحق أن يتحول يوما إلى حنين.