السؤال الحقيقى الآن ليس هو: هل ستقع الحرب؟ بل لماذا لم تقع بعد؟
هذا هو بالضبط ما يميز المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة بقيادة ترامب وإيران. فالتصعيد حاضر، والرسائل العسكرية متبادلة، والضغوط الاقتصادية فى ذروتها، ومع ذلك لا تنفجر الحرب.
هذه المفارقة لا تعكس توازنًا مستقرًا، بل تكشف عن نمط جديد من إدارة الصراعات صراع يتم التحكم فى حدوده دون حسمه.
منطق الصراع هو الضغط دون الانفجار. الولايات المتحدة، فى ظل ترامب، لا تسعى إلى حرب تقليدية مكلفة، بل إلى فرض معادلة جديدة بالقوة.
الضغط الاقتصادى، والتهديد العسكرى، وحتى الضربات المحدودة، ليست أهدافًا فى حد ذاتها، بل أدوات لدفع إيران إلى طاولة تفاوض بشروط مختلفة.. فى المقابل، تدرك إيران أن المواجهة المباشرة ستكون مكلفة وربما مهددة للنظام ذاته، لذلك تعتمد استراتيجية أكثر تعقيدًا،
امتصاص الضربات، وتجنب الانهيار، والرد بشكل غير مباشر.
هكذا، يتحول الصراع إلى ما يمكن وصفه بـ «تفاوض تحت النار».
ويظل مضيق هرمز هو مركز الثقل الحقيقى. يبقى هو العقدة الأساسية فى هذا الصراع. ليس فقط لأنه ممر نفطى حيوى، بل لأنه يمثل اختبارًا مباشرًا لهيبة النظام الدولى. إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق لتنتصر، بل يكفى أن تخلق حالة من عدم اليقين حوله.
وفى المقابل، لا تستطيع الولايات المتحدة السماح بتعطيله دون رد، لأن ذلك سيعنى تآكل الردع. هنا تحديدًا، يتشكل التوازن الهش، تصعيد محسوب لا يصل إلى حد الكسر.
فى هذا السياق، يصبح الحصار الاقتصادى أداة مركزية. فهو يحقق ضغطًا مستمرًا دون المخاطرة بحرب شاملة، ويمنح واشنطن القدرة على التحكم فى الإيقاع. لكن هذا الخيار ليس بلا ثمن. فالحصار الطويل قد يدفع إيران إلى توسيع أدواتها غير المباشرة، عبر الوكلاء أو العمليات المحدودة، ما يزيد من احتمالات الانزلاق غير المقصود.
هل الصفقة ممكنة؟ هذا سؤال يتردد دون إجابة حاسمة. رغم كل مظاهر التصعيد، يبقى احتمال الصفقة قائمًا، بل وربما مرجحًا.
فترامب، بطبيعته السياسية، يميل إلى تقديم الأزمات فى نهايتها على أنها «نجاحات تفاوضية».
صفقة من هذا النوع لن تكون شاملة، بل جزئية. قيود مؤقتة على البرنامج النووى، ضمانات لأمن الملاحة، تخفيف محدود للعقوبات. وهذه صيغة قد تكون مقبولة للطرفين، لأنها تتيح لكل منهما إعلان «انتصار» دون تقديم تنازلات وجودية.
ورغم كل هذا، يبقى الخطر الأكبر ليس فى القرارات المدروسة، بل فى الأخطاء غير المحسوبة. ففى بيئة مشحونة، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية، قد يؤدى حدث صغير إلى تصعيد كبير. التاريخ ملىء بأزمات لم تبدأ بقرار، بل بسوء تقدير.
المواجهة الحالية ليست حربًا، لكنها ليست سلامًا أيضًا. إنها نموذج لصراع يتم إدارته بعناية، لكنه يظل قابلًا للانفجار فى أى لحظة. وفى هذا النموذج، لا يكون التحدى هو تحقيق النصر، بل تجنب الخسارة الكبرى.