بقلم : عبد اللطيف المناوي
لم تعد السياسة مجرد إدارة مصالح، أو توازن قوى، أو حتى صراع جغرافى على النفوذ. ما نشهده اليوم هو انتقال عميق وخطير من «السياسة كإدارة واقع» إلى «السياسة كصناعة رواية».
لم يعد السؤال ماذا حدث؟ بل كيف يُروى ما حدث؟ ومن يملك حق روايته؟
فى العالم الجديد، لم تعد الحقيقة ثابتة بقدر ما أصبحت «قابلة للصياغة»، ولم تعد الوقائع كافية بذاتها، بل تحتاج إلى من يمنحها المعنى، ويوجه تفسيرها، ويضعها فى سياق يخدم رواية بعينها. هنا تبدأ المعركة الحقيقية.
فى السابق، كانت الدولة هى الفاعل الأساسى فى إنتاج الرواية. الإعلام الرسمى، المؤسسات، وحتى الكتب المدرسية، كانت أدوات لصياغة رواية متماسكة، قد تختلف درجة دقتها، لكنها كانت، فى النهاية، رواية واحدة تسعى إلى ترسيخ نفسها كـ«الحقيقة». اليوم، هذا الاحتكار انتهى.
مع صعود المنصات الرقمية، تفككت السلطة التقليدية للرواية. لم يعد هناك صوت واحد، بل آلاف الأصوات. لم يعد هناك مركز واحد للخبر، بل شبكات لا مركزية تنتج وتعيد إنتاج وتفسير الأحداث فى لحظات. وهنا، لم تختفِ الحقيقة فقط، بل دخلت فى منافسة مفتوحة مع «نسخ متعددة منها».
هذا التعدد لم يؤدِّ إلى مزيد من الوضوح، بل إلى مزيد من الضباب. حين تصبح كل رواية ممكنة، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقى وما هو مُصنَّع. وهنا، لا ينتصر الأكثر صدقًا، بل الأكثر قدرة على الانتشار، أو الأكثر توافقًا مع قناعات الجمهور.
السياسة أدركت هذا التحول سريعًا. لم تعد تكتفى بإدارة الأحداث، بل تسعى إلى إدارة تفسيرها. لم يعد كافيًا أن تنتصر فى الميدان، بل يجب أن تنتصر فى الرواية. بل إن بعض الصراعات لم تعد تُحسم فى الواقع، بل فى إدراك الناس لها.
لم تعد القوة فقط فى امتلاك السلاح أو الاقتصاد، بل فى امتلاك «القدرة على الإقناع». من يستطيع أن يقنع الجمهور، محليًا أو عالميًا، بنسخته من الحقيقة، هو من يملك اليد العليا، حتى لو لم يكن الأقوى على الأرض.
ولعل أخطر ما فى هذا التحول هو أن الرواية لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت أداة لصناعته. حين تُروى الأحداث بطريقة معينة، فإنها لا تُفسَّر فقط، بل يُعاد تشكيلها فى وعى الناس، ومن ثم فى سلوكهم وقراراتهم.
الجمهور نفسه لم يعد متلقيًا سلبيًا. أصبح شريكًا فى صناعة الرواية. يختار ما يصدق، ويعيد نشر ما يتوافق مع قناعاته، ويتجاهل ما لا يناسبه. وهكذا، لا تنتشر الروايات الأقوى بالضرورة، بل الروايات الأكثر «قابلية للتصديق» داخل كل فئة.
المعركة اليوم ليست بين الحقيقة والكذب فقط، بل بين «القدرة على الإقناع» و«القدرة على التحقق». وإذا لم يُستعد التوازن بينهما، فإن العالم سيتجه أكثر نحو حالة من السيولة المعرفية، حيث كل شيء قابل للتأويل، وكل رواية قابلة للتصديق.