بقلم: عبد اللطيف المناوي
هناك أشخاص نراهم قبل أن يتكلموا، وأشخاص لا نراهم حقاً إلا بعد أن يتكلموا. قد يدخل أحدهم مجلساً فتسبقه إليه هيبته، ملامح صارمة، صمت محسوب، إنصات طويل، وربما نظرة توحى بأنه يعرف أكثر مما يريد أن يقول. فنملأ نحن المساحات الخالية، وننسب إلى صمته حكمة، وإلى غموضه عمق، وإلى تحفظه أسرار لا يليق كشفها. والحقيقة أننا، فى كثير من الأحيان، لا نكون أمام شخصية استثنائية، بل أمام شاشة بيضاء عرضنا عليها ما فى خيالنا نحن.
لهذا بقيت عبارة «تكلّم حتى أراك»، المنسوبة إلى سقراط، حاضرة عبر الزمن. فالكلام لا يكشف مقدار المعرفة فقط، بل يكشف طريقة التفكير، وحدود الذوق، ونظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين. تكفى دقائق قليلة أحياناً لنعرف إن كان محدثنا واثقاً أم متعالياً، مثقفاً أم حافظاً، صادقا أم ممثلا جيدا، راغبا فى الحوار أم متعطشا إلى جمهور.
وفى الحكاية الشائعة، جلس أبو حنيفة أمام رجل أضفت عليه هيئته وقاراً، فضم قدميه احتراماً له. فلما سأل الرجل سؤالاً بدد ما صنعه الصمت من هيبة، قال الإمام: «آن لأبى حنيفة أن يمد رجليه». لا تهم هنا صحة الرواية التاريخية بقدر ما تهم دلالتها الإنسانية، كم من هيبة صنعتها المسافة، ثم هدمتها جملة واحدة! وكم من شخص حسبناه عميقاً، فلما اقتربنا منه اكتشفنا أن ما بدا عمقاً لم يكن إلا خداعا بصريا!
عرفت فى الحياة نماذج كثيرة من هؤلاء. كان بعضهم ذكياً بما يكفى ليصمت، ثم خانه إغراء الكلام. فالصمت بالنسبة إلى البعض ليس حكمة، بل إدارة جيدة للنقص. والغموض ليس دائماً ثراء خفيًّا، بل قد يكون ستارا يحمى فراغا لا يحتمل الضوء. لكن المشكلة أن الإنسان يصعب عليه أن يقاوم صورته فى عيون الآخرين. فإذا لمح الإعجاب، أراد المزيد.. وإذا رأى الناس ينتظرون كلمته، صدَّق أنه يملك بالفعل ما ينتظرونه؛ عندها يبدأ فى الإنفاق من رصيد الهيبة.
أكثر النماذج إثارة للشفقة، وللإرهاق أيضاً، ذلك الرجل الذى يملك إجابة عن كل سؤال، وحلاً لكل أزمة، ورأياً نهائياً فى كل قضية. يعرف لماذا سقطت الإمبراطوريات، وكيف تُدار الدول، وأين أخطأ الأطباء، ومن كان يجب أن يفوز فى المباراة، وما الذى ينبغى أن تفعله البنوك، ولماذا فشل زواج شخص لم يقابله قط. لا يقول أبداً: «لا أعرف»، ولا يسمح لسؤال أن يبقى مفتوحاً. كأن جهله بشىء واحد ثقب صغير سوف تتسرب منه صورته كلها.
هذا الشخص لا يبحث فى العادة عن الحقيقة، إنه يدافع عن مكانته. الإجابة عنده ليست محاولة للفهم، بل إعلان سيادة. لذلك يتكلم بثقة أكبر كلما كانت معرفته أقل، ويعوض نقص الدليل بارتفاع النبرة، ونقص الخبرة بكثرة التفاصيل. وقد يربكنا لبعض الوقت، لأن البشر يميلون إلى الخلط بين سرعة الإجابة وصحتها، وبين الثقة والكفاءة. لكن الزمن كفيل بفرز الاثنين. فالحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تجامل، والادعاء مهما طال عمره يحمل داخله بذرة انكشافه.