بقلم: عبد اللطيف المناوي
بعد شهور من المواجهة، تبدو الولايات المتحدة وإيران وكأنهما دخلتا مرحلة غريبة، كل طرف يحتاج إلى التفاوض، لكن كليهما يجد صعوبة فى أن يبدو محتاجاً إليه. ومن هنا يمكن فهم التصعيد الأخير فى اللغة والمواقف، واشنطن تقول إنها تستطيع مواصلة الحصار البحرى «إلى أجل غير محدد»، وطهران تتمسك بالسيطرة على مضيق هرمز وترفض العودة إلى التفاوض وفق الشروط الأمريكية.
الولايات المتحدة تمتلك بالتأكيد القدرة العسكرية على إطالة المواجهة. التفوق البحرى والجوى الأمريكى ليس موضع شك، وواشنطن تستطيع إبقاء قوات كبيرة فى المنطقة ومواصلة الضغط على صادرات إيران واقتصادها. لكن القدرة العسكرية شىء، والقدرة السياسية والاقتصادية على تحمل حرب مفتوحة شىء آخر.
إطالة إغلاق هرمز تعنى ارتفاع تكلفة الطاقة، وقد بدأ ترامب نفسه يهيئ الأمريكيين لقبول أسعار أعلى للبنزين. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفى، يصبح من الصعب سياسياً تفسير لماذا ينبغى للمستهلك الأمريكى تحمل فاتورة حرب لا تبدو لها نهاية واضحة. كما أن استمرار انتشار القوات واستهلاك الذخائر والموارد العسكرية يضيف تكلفة استراتيجية لا ترغب واشنطن فى تحملها إلى ما لا نهاية.
إيران تواجه معضلة معاكسة. اقتصادها أضعف كثيراً، والحصار الأمريكى ألحق به أضرارا ثقيلة، لكنها تمتلك ميزة مهمة، قدرتها على توزيع تكلفة الأزمة على الآخرين. هرمز هو أداتها الرئيسية. كلما تعطل المضيق ارتفعت تكلفة المواجهة على أسواق الطاقة ودول الخليج والاقتصاد العالمى، وليس على إيران وحدها. ولهذا ترى طهران أن التراجع المجانى عن ورقة هرمز يعنى التخلى عن أقوى أوراقها التفاوضية. وقد وصل المرور عبر المضيق بالفعل إلى مستويات شديدة الانخفاض مع استمرار الهجمات والتوتر.
لكن هذه الورقة لها حدود. فكلما طال تعطيل الملاحة، ازداد احتمال تحول الدول الخليجية المتضررة من وسطاء يسعون إلى تهدئة واشنطن وطهران إلى أطراف تعتبر السلوك الإيرانى تهديداً مباشراً لمصالحها. عندها قد تتحول أهم ورقة ضغط إيرانية إلى سبب لتوسيع التحالف المناهض لها.
لهذا تبدو المواقف الحالية أكثر صلابة مما تسمح به قدرات الطرفين على المدى الطويل. واشنطن لا تريد أن تعترف بأن القوة العسكرية لم تنتج حتى الآن تسوية بشروطها، وطهران لا تستطيع الاعتراف بأن الحصار والاستنزاف يضيقان مساحة المناورة أمامها. وبينهما وسطاء مازالوا يحاولون إنتاج صيغة تحفظ ماء الوجه للطرفين، بعدما أظهرت التجربة السابقة أن قطر وباكستان وغيرهما قادرون على إعادة قنوات الاتصال عندما تصل المواجهة إلى حافة الانفجار.
ربما يمكن للطرفين تسمية التراجع باسم آخر. قد تسميه واشنطن «امتثالاً إيرانياً»، وتسميه طهران «اعترافاً بحقوقها»، بينما يكون فى الواقع تسوية اضطر إليها الاثنان.
فالزمن لا يعمل لمصلحة طرف واحد. إيران تستطيع إيلام خصومها، لكنها لا تستطيع تحمل حصار دائم. والولايات المتحدة تستطيع إطالة الحرب، لكنها لا تستطيع ضمان أن تظل تكلفتها مقبولة.