السلطة والثروة

السلطة والثروة

السلطة والثروة

 العرب اليوم -

السلطة والثروة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم تكن العلاقة بين السلطة والثروة يوماً بسيطة. فمن يتولى الحكم يكتسب بالضرورة نفوذا وشهرةً وشبكة علاقات يمكن تحويلها إلى مال. لكن الديمقراطيات لا تقاس فقط بقدرتها على منع الرشوة المباشرة، بل أيضاً بقدرتها على الفصل بين ما يملكه الحاكم بحكم المنصب وما يملكه بصفته الشخصية. ومن هنا نشأ التقليد الأمريكى الذى تعامل مع الرئاسة باعتبارها خدمة عامة ينبغى ألا تتحول، أثناء شغلها، إلى مشروع تجارى.

كان جورج واشنطن التجسيد الأول لهذا المعنى، تنازل طوعا عن قيادة الجيش بعد الاستقلال، ثم غادر الرئاسة بعد ولايتين، مؤسساً تقليداً يقوم على أن السلطة أمانة مؤقتة وليست ملكية شخصية. وعانى رؤساء مثل توماس جيفرسون وجيمس ماديسون ضغوطاً مالية كبيرة، بينما خرج هارى ترومان من البيت الأبيض فى وضع مالى متواضع إلى حد أسهم فى إقرار معاش للرؤساء السابقين عام ١٩٥٨.

صحيح أن التاريخ الأمريكى لم يكن مثاليا، وأن بعض الرؤساء كانوا أثرياء قبل الرئاسة، أو حققوا أموالاً كبيرة بعدها من الكتب والمحاضرات والاستشارات. لكن الفاصل الأخلاقى ظل واضحا بشكل نسبى، يجوز للرئيس السابق أن يبيع مذكراته، لكن لا ينبغى للرئيس القائم أن يبيع النفوذ أو الشهرة أو إمكان الوصول إليه.

بلغ هذا التقليد ذروته مع جيمى كارتر، الذى وضع أعماله الزراعية فى صندوق ائتمانى مستقل لتجنب مجرد شبهة تضارب المصالح، وانتهى به الأمر إلى تحمل خسائر كبيرة. واتبع رونالد ريجان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن ترتيبات مشابهة، بينما لم يمتلك باراك أوباما وجو بايدن إمبراطوريات تجارية تحتاج إلى الفصل عن الرئاسة. لم يكن القانون دائماً هو الذى يفرض ذلك، بل العرف، على الرئيس أن يبتعد حتى عن مظهر الانتفاع الشخصى.

وهذا العرف نفسه وُلد جزئيا من رفض النموذج البريطانى القديم الذى جسّده روبرت والبول فى القرن الثامن عشر. فقد جمع أول رئيس وزراء بريطانى فعلى بين إدارة الدولة وشبكة واسعة من المحسوبية وإثراء العائلة. كانت المناصب تُمنح للأقارب، والأموال السرية تكافئ الحلفاء، فيما تحوّل قصره إلى معرض للترف. ورأى الثوار الأمريكيون لاحقاً فى هذا النظام مثالاً لما ينبغى على الجمهورية الجديدة منعه من خلال فصل السلطات والرقابة على الحكم.

لكن التجربة الدولية المعاصرة تكشف سهولة تآكل هذه الحدود. فقد دخل سيلفيو برلسكونى السياسة الإيطالية محتفظاً بإمبراطورية إعلامية استفادت من قربها من السلطة. وأثار رئيس الوزراء التشيكى أندريه بابيش أسئلة مماثلة بسبب تكتله الزراعى الضخم، وإن وضعه لاحقاً فى صندوق ائتمانى. أما رئيسة الأرجنتين السابقة كريستينا فرنانديز دى كيرشنر، فقد أُدينت فى قضية توجيه عقود عامة إلى رجل أعمال مقرب.

المشترك بين هذه الحالات ليس الانتماء إلى اليمين أو اليسار، بل تحول الحدود بين الدولة والعائلة والشركة إلى منطقة رمادية. والخطر هنا يتجاوز مقدار المال، عندما يصبح القرب من الحاكم طريقاً إلى الصفقة، لا يعود المواطن قادرا على معرفة ما إذا كان القرار اتُّخذ للمصلحة العامة أم لمصلحة من يملك السلطة.

نستكمل غدا اعتمادا على مقال رأى وتحليل تاريخى لهارولد جيمس وج.سى دو سوان، فى الفايننشال تايمز.

arabstoday

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 04:08 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 04:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 04:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 03:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 03:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلطة والثروة السلطة والثروة



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab