بقلم: عبد اللطيف المناوي
حتى الآن حرصت السعودية والإمارات على ألا تتحولا من دولتين متضررتين من الحرب الأمريكية-الإيرانية إلى طرفين مباشرين فيها. لكن هذا الهامش يضيق.
الهجمات المتكررة على سفن مرتبطة بـ«أدنوك» فى مضيق هرمز، والتهديد الحوثى المتزايد للملاحة والمنشآت السعودية، واحتمال الهجمات المتزامنة من اليمن والعراق، كلها تطرح سؤال لم يعد افتراضى تمامًا، ماذا يحدث إذا وجدت الرياض وأبوظبى نفسيهما مضطرتين إلى التدخل العسكرى المباشر؟
الأرجح أن التدخل، إذا حدث، لن يبدأ بحرب مفتوحة على إيران. سيكون أقرب إلى تدرج عسكرى محسوب، حماية السفن ومرافقتها، توسيع الدفاع الجوى والبحرى، اعتراض المسيرات والصواريخ، ثم ضرب مصادر الهجمات إذا استمرت. السعودية قطعت بالفعل خطوة فى هذا الاتجاه عندما شاركت الولايات المتحدة فى ضرب مواقع لجماعات موالية لإيران فى العراق، فى أول رد عسكرى سعودى معلن من هذا النوع خلال الأزمة. كما تبنى الرياض تحالف بحرى متعدد الدول فى البحر الأحمر. لكن دخول الإمارات أو السعودية مباشرة ضد أهداف إيرانية سيغير طبيعة الحرب بشكل جذرى.
حتى الآن تستطيع طهران تقديم الصراع باعتباره مواجهة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تحاول دول الخليج الاحتفاظ بمسافة سياسية منه. انضمام الرياض أو أبوظبى إلى العمليات سيحوّل المعادلة إلى مواجهة إيرانية-خليجية مباشرة، وقد يمنح إيران مبرر لتوسيع بنك أهدافها. وطهران سبق أن هددت بضرب منشآت الطاقة والمياه الخليجية إذا استخدمت أراضى هذه الدول فى الحرب ضدها.
ولهذا تجنبت الدولتان حتى الآن الحرب المباشرة. السعودية تحديدًا بنت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية اقتصادية ضخمة تحتاج إلى الاستقرار، وهو ما يفسر محاولتها الجمع بين الردع والتحالفات والدبلوماسية بدل الدخول فى مواجهة مفتوحة.
لكن هناك نقطة يصبح بعدها الامتناع عن الرد أكثر كلفة من الرد نفسه. تكرار استهداف السفن الخليجية، إصابة منشأة نفطية كبيرة، سقوط عدد كبير من الضحايا، أو هجوم إيرانى مباشر واضح على أراضى إحدى الدولتين يمكن أن ينقل القرار من حسابات تجنب الحرب إلى ضرورة تثبيت الردع.
والأخطر أن دخول السعودية والإمارات قد لا يبقى ثنائيا. هناك مجلس التعاون الخليجى، واتفاق مكة الدفاعى الذى يعتبر الاعتداء على السعودية اعتداء على تركيا وباكستان أيضا. وفى الجانب الآخر تستطيع إيران تنشيط الحوثيين والجماعات العراقية بالتوازى. عندئذ تتحول خريطة الصراع من محور واشنطن-طهران إلى شبكة جبهات تمتد من هرمز إلى باب المندب والعراق. لهذا فإن التدخل الخليجى المباشر هو ربما أحد أهم الخطوط الفاصلة بين الحرب المحدودة والحرب الإقليمية. وما يجعل اللحظة الحالية خطرة أن السعودية والإمارات لا تبدوان راغبتين فى عبور هذا الخط، لكن القرار قد لا يبقى بأيديهما بالكامل. فإذا استمرت إيران وحلفاؤها فى رفع كلفة عدم الرد، قد تصل الرياض وأبوظبى إلى اللحظة التى يصبح فيها السؤال هل أصبح البقاء خارج الحرب ممكن؟