بقلم : عبد اللطيف المناوي
لم تبدأ الاحتجاجات الأخيرة فى طرابلس ومدن غرب ليبيا بشعار سياسى كبير، بل بدأت بسبب انقطاع الكهرباء لساعات طويلة فى ذروة موجة حر قاسية. لكن ما إن خرج المحتجون إلى الشوارع حتى تجاوزت مطالبهم حدود التيار الكهربائى، وتحولت من احتجاج على سوء الخدمة إلى مواجهة مع منظومة سياسية كاملة فقدت، فى نظر قطاعات متزايدة من الليبيين، مبرر استمرارها.
انطلقت التحركات الأسبوع الماضى حيث أغلق شبان بعض الطرق وأشعلوا الإطارات احتجاجًا على الانقطاعات المتكررة. ثم تصاعد الموقف سريعًا بإعلان «حراك أبناء سوق الجمعة» الدخول فى عصيان مدنى، وانضمام مناطق أخرى فى طرابلس وغرب البلاد إلى التحرك.
استهدف المنظمون إغلاق مؤسسات وشركات عامة بالسواتر الترابية، من بينها مقار لشركات الاتصالات وديوان المحاسبة، مع التلويح بالوصول إلى بعض فروع مصرف ليبيا المركزى. وفى الزاوية، أعلنوا تعليق العمل فى عدد من المؤسسات والمرافق العامة، مع استثناء المنشآت الصحية والطوارئ.
لم تعد السواتر مجرد أداة لإغلاق باب أو تعطيل مؤسسة، بل أصبحت تعبيرًا رمزيًا عن سحب الثقة من مؤسسات لم تعد، فى نظرهم، قادرة على خدمة المواطنين أو تمثيلهم. وعندما تحركت شركة الخدمات العامة لإزالة السواتر وإعادة فتح المنشآت، حذرها المحتجون من ذلك وهددوا بتوسيع التصعيد. هنا ظهر الاختبار الأخطر، من يملك فعليًا قرار فتح مؤسسات الدولة وإغلاقها؟ الحكومة، أم الشارع، أم القوى المسلحة التى تتحرك فى المساحة الفاصلة بينهما؟
الكهرباء هى الشرارة، لكنها لا تفسر وحدها هذا الانفجار. وراءها تراكم طويل من الفشل السياسى والخدمى والأمنى، وتعثر الانتخابات منذ انهيار استحقاق ديسمبر ٢٠٢١، واستمرار حكومة عبدالحميد الدبيبة تحت عنوان مرحلة انتقالية كان يفترض أن تكون قصيرة، إلى جانب انتشار السلاح وتصاعد الاتهامات بالفساد وسوء إدارة المال العام.
الدلالة الأهم أن الغضب لم يعد موجهًا إلى الدبيبة وحكومته وحدهما. بيانات الحراك حمّلت المسؤولية أيضًا لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسى، ودعت إلى إسقاط الأجسام السياسية وإنهاء المرحلة الانتقالية الحالية.
وهذا تطور يعنى أن قطاعات من الشارع بدأت تتجاوز الانقسام التقليدى بين الشرق والغرب. لم تعد تنظر إلى الصراع القائم باعتباره مواجهة بين مشروعين متعارضين، بل بوصفه شبكة مصالح بين قوى تتصارع حينًا، وتتفاهم على توزيع الموارد والنفوذ حينًا آخر.
لقد نجحت النخب الليبية طوال سنوات فى استخدام الانقسام ذريعة لاستمرارها. حكومة طرابلس تستند إلى الاعتراف الدولى، ومجلس النواب يتمسك بشرعية انتخابية تعود إلى عام ٢٠١٤، والمجلس الأعلى للدولة يستمد وجوده من ترتيبات سياسية تجاوز عمرها عقدًا، بينما تفرض القوى المسلحة شرعيتها الخاصة على الأرض. الجميع يتحدث عن إنهاء المرحلة الانتقالية، لكن قليلين منهم مستعدون للمجازفة بانتخابات قد تخرجهم من السلطة.
لم تعد أزمة ليبيا مجرد انقسام بين حكومتين أو عجز فى محطة كهرباء. الأزمة أصبحت أزمة ثقة فى طبقة سياسية تتبدل تحالفاتها، بينما تبقى فى مواقعها، وتطلب من الليبيين انتظار انتخابات لا يأتى موعدها أبدًا.