ربما لم يعد دقيقا وصف ما يجرى بأنه مجرد حرب أمريكية- إيرانية. خلال الساعات الأخيرة ضربت الولايات المتحدة أهدافًا متعددة للحرس الثورى داخل إيران، وردت طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات على مواقع أمريكية فى البحرين والكويت والأردن والعراق. فهل أصبحت الحرب إقليمية؟
جغرافيا، نعم. سياسيا وعسكريا، ليس بالكامل بعد.
إيران توسع ساحة عملياتها، لكنها تقول إنها تستهدف الوجود العسكرى الأمريكى فى دول المنطقة، وليس هذه الدول نفسها. وفى المقابل، البحرين والكويت والأردن تدافع عن أجوائها وأراضيها، لكنها لم تنتقل حتى الآن إلى شن عمليات عسكرية ضد إيران.
إذن نحن أمام مرحلة يمكن وصفها بأنها أقلمة لساحة الحرب، لم تتحول إلى حرب إقليمية متعددة الأطراف. لكن المسافة بين الحالتين أصبحت قصيرة وخطرة.
كلما تكررت العمليات الإيرانية ضد هذه الدول، يصبح من الأصعب على حكومات المنطقة الاستمرار فى الفصل بين «استهداف الأمريكيين الموجودين على أراضيها» و«استهداف سيادتها الوطنية».
والأخطر أن إيران رفعت سقف التحذير. قيادتها العسكرية أعلنت أن أى دولة تساعد العمليات الأمريكية قد تواجه ردودا «أثقل وأكثر اتساعا». هنا تنتقل المسألة من استهداف قواعد أمريكية إلى احتمال اعتبار الدولة المضيفة نفسها جزء من الحرب.
هناك أيضا هرمز. المضيق لم يعد مجرد مسرح جانبى، أصبح أحد مراكز الحرب. واشنطن تضرب قدرات بحرية إيرانية ومنشآت مرتبطة بزرع الألغام، وإيران تهدد السفن وتفرض قواعد مرور خاصة بها، بينما تراجعت التجارة عبر المضيق بدرجة دفعت العراق إلى تحويل جزء من تجارته عبر العقبة.
وهكذا تتكون أمامنا عناصر الحرب الإقليمية واحدًا بعد الآخر، الخليج مسرح للصواريخ والمسيرات، هرمز ساحة عسكرية، الأردن والعراق ضمن نطاق الرد الإيرانى، وأسواق الطاقة والملاحة أصبحت جزءًا مباشرًا من الصراع. لكن العنصر الأخير والأكثر خطورة لم يحدث بعد، دخول دول المنطقة نفسها فى حرب هجومية ضد إيران.
إذا ضربت الإمارات أو البحرين أو السعودية أهداف إيرانية، أو استهدفت طهران منشآت نفطية أو مدن خليجية باعتبارها أهداف بذاتها، عندها لن نحتاج إلى السؤال إن كانت الحرب أصبحت إقليمية. ستكون الإجابة واضحة.
المشكلة أن منطق التصعيد بدأ يفرض نفسه على الطرفين. ترامب يهدد بضربات أشد إذا استمرت إيران فى الرد. وطهران تقول إن كل ضربة أمريكية ستقابل برد أوسع. إذا التزم الطرفان بهذه المعادلة، فكل جولة ستنتج جولة أكبر منها.
لهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستخرج من حدود إيران. لقد خرجت بالفعل.
السؤال الحقيقى هو ما إذا كانت دول المنطقة ستنجح فى البقاء ساحات تمر فوقها الصواريخ من دون أن تتحول إلى أطراف تطلقها.
حتى الآن، ما زال هذا الخط قائمًا. لكنه أصبح أرفع كثيرا مما كان عليه قبل أيام.
الحرب أصبحت إقليمية فى جغرافيتها وتداعياتها، لكنها لم تصبح بعد حرب إقليمية مكتملة الأطراف. والخطر الحقيقى هو أننا لم نعد بعيدين عن ذلك.