بقلم: عبد اللطيف المناوي
فى العادة، يكون التصفيق الطويل فى المهرجانات السينمائية إعلانًا عن الفرح. يقف المخرجون، يبتسمون، يتبادلون العناق، وربما تنزل دموع الانتصار بعد رحلة شاقة لصناعة الفيلم. لكن المشهد الذى أعقب عرض الفيلم الوثائقى «NAZA» فى مهرجان فينيسيا كان مختلفًا. ظل الجمهور واقفًا يصفق قرابة خمس وعشرين دقيقة، فى استقبال وصف بأنه الأطول فى تاريخ المهرجان، وربما فى تاريخ المهرجانات السينمائية الكبرى، بينما وقف مخرجا الفيلم الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور يتلقيان هذا الاحتفاء بوجهين حزينين، شبه جامدين، لا تكاد تظهر عليهما ابتسامة.
ظللت أتأمل وجهيهما. هل كان ذلك حزن الحقيقة التى كشفاها؟ أم الخجل من بلد ينتميان إليه ويروى الفيلم ما ارتكبته مؤسساته؟ أم ثقل المسؤولية بعد أن تحولت شهادات سمعاها فى ظلام تل أبيب إلى وثيقة يشاهدها العالم؟ وربما كان ما رأيناه مزيج إنسانى معقد من هذه المشاعر جميعا.
فهذا ليس فيلمًا يسمح لصانعيه بفرحة الانتصار المعتادة. نجاحه يعنى أن الحكاية وصلت، لكنه يعنى أيضاً أن الحكاية وقعت بالفعل.
العنوان نفسه يلخص فكرته. فكلمة «NAZA» مصطلح عسكرى يستخدمه ضباط الاستخبارات الإسرائيلية للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم فى غارة جوية. هى رقم تقديرى يسبق سقوط القنبلة. أى أن المدنيين، وفق الشهادات التى يعرضها الفيلم، لا يموتون دائما نتيجة خطأ طرأ بعد اتخاذ القرار، قد يكون موتهم محسوبا داخل القرار نفسه. على مدى ثلاث سنوات سجل المخرجان شهادات ٢٤ من ضباط الاستخبارات والجنود الإسرائيليين الذين شاركوا، فى منظومة المراقبة واختيار الأهداف وتنفيذ الضربات فى غزة. أُجريت المقابلات ليلًا فوق أسطح مبانٍ فى تل أبيب، مع إخفاء وجوه المتحدثين وتغيير أصواتهم لحماية هوياتهم.
هذا الاختيار البصرى ليس تفصيل فنى. تل أبيب مضاءة، والمقاهى والحياة مستمرة، بينما تقع غزة على مسافة نحو ستين كيلومتر، غارقة فى الموت والركام. المسافة قصيرة جغرافياً، مسافة بين عالمين لا يرى أحدهما الآخر. لا يعتمد «NAZA» على مشاهد الجثث والدمار، ولا يحاول انتزاع تعاطف سهل من الجمهور. قوته تأتى من البرودة التى تُروى بها التفاصيل، أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعى لتحديد أعداد كبيرة من الأهداف، اختراق آلاف الهواتف، التنصت على أحاديث الأسر، ثم قصف أشخاص يُشتبه فى انتمائهم إلى حماس داخل بيوتهم ليلًا، مع العلم بوجود الزوجات والأطفال.
ويروى أحد الضباط أن التقاط هاتف طفل لعبارة «أبى عاد إلى المنزل» قد يكون كافيا للإشارة إلى وجود الشخص المستهدف وبدء الغارة.
لم يهتم المخرجان كثيرا بسؤال ما إذا كان كل ضابط يشعر بالندم. قالا إن بعضهم تحدث بلا مبالاة، وبعضهم بفخر، وبعضهم بندم. اهتمامهما كان منصبا على النظام، الأوامر، والسياسات، والممارسات المقبولة، واللغة التى تجعل القتل ممكنًا، ثم الأشخاص الذين يتحولون إلى تروس داخله. فالفيلم لا يقدم ما جرى باعتباره سلسلة تجاوزات فردية ارتكبها جنود خرجوا عن التعليمات، بل يسأل عما إذا كانت التعليمات نفسها هى المشكلة.
ربما لهذا وقف جمهور فينيسيا كل هذا الوقت. لم يكن التصفيق للفيلم وحده، بل للحقيقة حين جاءت من داخل المجتمع الإسرائيلى.