بقلم: عبد اللطيف المناوي
ليست أخطر الحروب تلك التى يقرر طرفاها توسيعها، بل تلك التى تتسع رغما عنهما. وهذه ربما تكون المرحلة التى تقترب منها المواجهة الأمريكية- الإيرانية الآن. فلا واشنطن تبدو راغبة فى الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة، ولا طهران تبدو راغبة فى مواجهة بلا سقف، لكن المشكلة أن الحرب بدأت تنتج ساحات وأطرافا ومصالح قد تجعل قرار توسيعها خارج السيطرة الكاملة للطرفين.
خلال المرحلة الأولى، كان من السهل نسبياً قراءة قواعد اللعبة، ضربة أمريكية، رد إيرانى، ثم محاولة كل طرف ضبط مستوى الرد بحيث يؤلم خصمه من دون أن يدفعه إلى الحرب الشاملة. حتى مضيق هرمز، رغم خطورته، ظل جزء من هذه المعادلة، ورقة ضغط إيرانية فى مواجهة التفوق العسكرى والحصار الأمريكى.
الحوثيون يصعدون ضد السعودية، ويقترب الضغط العسكرى من باب المندب. خط النفط السعودى شرق- غرب، الذى يمثل أحد أهم البدائل الاستراتيجية لهرمز، تعرض للهجوم. والعراق أصبح بدوره موضع قلق بعد انطلاق مسيّرات من أراضيه استهدفت منشآت سعودية، من دون أن تثبت حتى الآن الجهة التى أطلقتها أو علاقتها المباشرة بطهران.
المشكلة هنا ليست فى كل جبهة منفردة، بل فى تزامنها.
إذا ظل هرمز مضطربا، واستمر تعطل خط شرق- غرب، ثم انتقلت الهجمات بصورة منتظمة إلى الملاحة فى باب المندب، فلن نكون أمام مجرد امتدادات للحرب الأمريكية-الإيرانية. سنكون أمام صراع على منظومة الطاقة والممرات البحرية فى المنطقة كلها.
عندها يصبح احتواء الحرب أصعب. فالسعودية قد تجد نفسها مضطرة إلى رد أوسع، والولايات المتحدة قد تضطر إلى حماية حليفها أو التدخل ضد الحوثيين، والعراق قد يواجه صعوبة متزايدة فى منع استخدام أراضيه كساحة للصراع. ومع كل طرف جديد يدخل المعادلة، يتضاعف احتمال الخطأ فى الحسابات.
وهنا تكمن المفارقة، قد تكون واشنطن وطهران راغبتين فى التفاوض، لكن ذلك لم يعد كافيا نعم وحده لضمان التهدئة.
فالحرب التى تبدأ بين طرفين يمكن أن تنتج مع مرور الوقت آليتها الخاصة. يصبح للحلفاء حساباتهم، وللوكلاء أهدافهم، وللدول المتضررة خطوطها الحمراء، وللأسواق والطاقة والملاحة تأثيرها على القرار السياسى.
الطرفان لا يريدان الحرب الآن. ولكن قد يفقدان القدرة على منعها. الفرق كبير بين حرب أمريكية- إيرانية لها امتدادات إقليمية، وبين حرب إقليمية تكون المواجهة الأمريكية- الإيرانية مجرد مركزها الرئيسى. ونحن لم نصل إلى ذلك بعد لكننا أصبحنا أقرب إليها.
ولهذا فإن المؤشر الحقيقى، خلال المرحلة المقبلة، لن يكون فقط حجم الضربات بين واشنطن وطهران، بل عدد الجبهات التى تبدأ فى القتال من دون انتظار قرارهما. فعندما يصبح للأطراف الأخرى حق عملى فى تحديد مستوى التصعيد، تكون الحرب قد بدأت تتحول من حرب يمكن إدارتها إلى حرب تدير أطرافها.