بقلم: عبد اللطيف المناوي
ماذا كان حافظ إسماعيل يحمل إلى واشنطن؟ كان يحمل محاولة مصرية أخيرة لتحريك التسوية السياسية. كانت مصر قد أعلنت استعدادها للسلام، وقدّم السادات فى عام ١٩٧١ مبادرة لاتفاق مرحلى وانسحاب إسرائيلى من منطقة القناة.. لكن إسرائيل رفضت، ولم تكن واشنطن مستعدة للضغط عليها.
وتكشف مذكرة أعدها كيسنجر لنيكسون فى ٢٣ فبراير ١٩٧٣ أن الإدارة الأمريكية كانت تعلم أن السادات شعر بأنه قدم تنازلات مهمة مرتين، وأن الولايات المتحدة تراجعت كلما اعترضت إسرائيل. كما سجلت المذكرة احتمال تجدد القتال، لكنها تعاملت معه باعتباره خطرًا ينبغى تفاديه، لا مشروعًا أمريكيًا تجرى الموافقة عليه. وهذه المذكرة متاحة ضمن السجل الرسمى لوزارة الخارجية الأمريكية، حسب ما هو منشور.
وفى اجتماعه السرى مع كيسنجر يومى ٢٥ و٢٦ فبراير، أكد حافظ إسماعيل ضرورة التوصل إلى تسوية خلال عام ١٩٧٣، واستعادة السيادة المصرية على سيناء، والانسحاب الإسرائيلى إلى حدود ما قبل الحرب، مع استعداد مصر لمناقشة ترتيبات أمنية وضمانات دولية ومراحل للتنفيذ. ولا يتضمن المحضر الأمريكى للاجتماع اقتراحًا من كيسنجر بالحرب، ولا طلبًا مصريًا للحصول على إذن بها، ولا اتفاقًا على حرب محدودة.
لكن جوهر الرد الأمريكى كان مؤلمًا. نُقل عن كيسنجر قوله لحافظ إسماعيل: أنتم الطرف المهزوم، وإسرائيل هى المنتصرة، فلا يمكن أن تطلبوا ما يطلبه المنتصر أو أن نضغط عليه ليتنازل.
كانت تلك هى اللحظة الكاشفة، كيسنجر قال لمصر عمليًا إن الهزيمة العسكرية تحكم حدود ما تستطيع المطالبة به سياسيًا. وفهم السادات أن مصر تحتاج إلى فِعل يُغيّر صورتها وموقعها على الأرض قبل أن تطلب تغيير شروط التفاوض.
وهذا هو الفارق الجوهرى بين الروايتين، الرواية المختلقة تقول إن كيسنجر أعطى السادات الإذن بالحرب. أما الوقائع فتقول إن تعنت الموقف الأمريكى أقنع السادات بأن الطريق السياسى مسدود ما لم تغير مصر ميزان القوة والإدراك.
بل إن استعدادات الحرب المصرية سبقت لقاء حافظ إسماعيل وكيسنجر. ففى أكتوبر ١٩٧٢ عيَّن السادات الفريق أول أحمد إسماعيل وزيرًا للحربية، وكلف القيادة بإعداد القوات للحرب. وكانت هيئة الأركان بقيادة الفريق سعد الدين الشاذلى قد عملت على تطوير خطة تناسب الإمكانات المصرية الفعلية، تقوم على عبور القناة وتحطيم خط بارليف وإقامة رؤوس جسور تحت مظلة الدفاع الجوى. وقد اشترك فى هذه العملية قادة وضباط ومهندسون وجنود، وأُعدت لها خطة خداع استراتيجية معقدة. هل يُعقل اختزال كل ذلك فى موافقة مزعومة منحها كيسنجر فى اجتماع لم يحضره السادات؟
وثائق السادس من أكتوبر تكشف أن واشنطن لم تحصل على إنذار جدى بالحرب إلا قبل بدايتها بساعات، وأن كيسنجر فوجئ بإمكان اندلاعها، فسارع إلى الاتصال بالسوفييت وإسرائيل وعدد من العواصم العربية، محاولًا منع الضربة وطلب «ضبط النفس». وفى مساء اليوم نفسه، كان لايزال يعتقد أن إسرائيل ستستعيد زمام المبادرة خلال أيام، وأن العرب لن يتمكنوا من تحقيق هدفهم العسكرى.