بقلم: عبد اللطيف المناوي
بعد أيام من الهدوء النسبى بين واشنطن وطهران، جاءت الضربات الأمريكية- السعودية المشتركة على مواقع تابعة للحشد الشعبى فى العراق لتفتح فصلًا جديدًا من المواجهة. الجديد أن السعودية أصبحت طرفا معلنا فى العمل العسكرى، وأن العراق عاد ليصبح ساحة اشتباك رئيسية بين أمريكا وإيران.
الأهمية الحقيقية لا تكمن فى الضربة نفسها، بل فى تغير قواعد الاشتباك. فطوال الأشهر الماضية، حرصت السعودية على تجنب الظهور كطرف مباشر فى المواجهة الأمريكية الإيرانية، رغم تعرضها لهجمات من الحوثيين أو من جماعات مرتبطة بإيران. أما اليوم، فهى تعلن رسميًا مشاركتها فى الضربات، وتربطها بحق الدفاع عن النفس بعد استهداف منشآتها النفطية. هذا التحول يعنى أن أمن الطاقة السعودى لم يعد يُدار فقط بمنظومات الدفاع الجوى، بل أصبح يبرر استخدام القوة خارج الحدود إذا اعتُبر مصدر التهديد واضحًا.
فى المقابل، يواجه العراق معضلة معقدة. فالحشد الشعبى ليس مجرد ميليشيا خارجة عن الدولة، بل جزء من المنظومة الأمنية العراقية، ويتلقى تمويلا رسميا ويخضع قانونا للقائد العام للقوات المسلحة. وبالتالى فإن ضرب مقاره يضع الحكومة العراقية فى موقف بالغ الحساسية، فهى مطالبة بحماية سيادتها، لكنها فى الوقت نفسه مطالبة بمنع استخدام أراضيها منصة لشن هجمات على دول الجوار. وهذه معادلة يصعب الحفاظ عليها إذا استمرت الفصائل المسلحة فى العمل باستقلالية عن القرار الحكومى.
أما إيران فمن المرجح أنها ستتعامل مع الضربات باعتبارها رسالة موجهة إليها أكثر من كونها موجهة إلى الحشد. فالولايات المتحدة لم تضرب أهدافًا داخل إيران، لكنها ضربت أهم أذرعها الإقليمية، فى محاولة لرفع كلفة استخدام الوكلاء دون الانتقال إلى مواجهة مباشرة مع طهران. وهذه السياسة تمنح واشنطن هامشا للتصعيد، لكنها تحمل أيضا خطرا واضحا، إذا قررت إيران الرد عبر وكلائها فى العراق أو عبر الحوثيين فى البحر الأحمر، فإن كل ضربة لاحقة ستوسع رقعة الحرب دون أن يطلق أى طرف رصاصة مباشرة على الآخر.
ما حدث لا يعنى أن الحرب تحولت إلى حرب إقليمية شاملة. فمازالت أمريكا تتجنب استهداف العمق الإيرانى، ومازالت إيران تتجنب توجيه ضربات واسعة تؤدى إلى خسائر أمريكية كبيرة، ومازالت قنوات الوساطة، قائمة وإن كانت ضعفت بفعل التصعيد.
العراق عاد إلى قلب الصراع، فإذا كان مضيق هرمز يمثل الجبهة البحرية، والبحر الأحمر يمثل جبهة الضغط الاقتصادى، فإن العراق أصبح مرة أخرى جبهة الوكلاء. وكلما تداخلت هذه الجبهات الثلاث، ارتفعت احتمالات أن تخرج الحرب من إطار «الإكراه المتبادل» إلى مواجهة إقليمية يصعب على أى طرف التحكم فى مسارها.
التحدى أمام بغداد ما إذا كانت ستنجح فى منع أراضيها من التحول مجددا إلى ساحة الحرب الرئيسية بين واشنطن وطهران، كما كانت طوال العقدين الماضيين. فهذه المرة، لم يعد أمن العراق وحده على المحك، بل أصبح أمن الخليج وممرات الطاقة العالمية جزءًا من المعادلة نفسها.