بقلم : عبد اللطيف المناوي
لا خلاف على أهمية أن يغادر المحافظ أو الوزير مكتبه، وأن يرى بنفسه ما يجرى فى المستشفيات والمدارس والمصالح الحكومية. فالتقارير الرسمية غالبًا ما تُجمّل الواقع، والزيارات المعلنة تتحول بسهولة إلى عروض مرتبة سلفًا، جدران تُطلى، وموظفون ينتظمون، وأدوية تظهر فجأة، ثم تعود المؤسسة إلى حالها بعد مغادرة المسؤول.
من هنا تأتى قيمة الجولة المفاجئة. لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول من وسيلة لفهم الخلل إلى مشهد علنى لإدانة العاملين، ومن أداة للإصلاح إلى استعراض للصرامة.
ما جرى فى مستشفى قنا العام مثال على قصة تتكرر فى محافظات ومؤسسات مختلفة. مسؤول تنفيذى يدخل بصورة مفاجئة، يرصد أوجه قصور حقيقية، يستمع إلى شكاوى المواطنين، ثم يصدر فى المكان نفسه سلسلة من القرارات، نقل هذا، وإحالة ذاك إلى التحقيق، وتغيير الإدارة، ومعاقبة الشركة المتعاقدة، وإطلاق تعليمات فورية بتحسين النظافة وتوفير الأدوية ومنع المرضى من شراء المستلزمات من الخارج.
بعض هذه القرارات قد يكون صحيحا وضروريا. المشكلة ليست فى المحاسبة، بل فى الطريقة التى يجرى بها تشخيص المسؤولية وتقديمها إلى الجمهور.
المستشفى العام ليس مديرا مقصّرا أو موظف مخازن فاسدا فقط. إنه منظومة تضم موازنات وتعاقدات وسلاسل توريد ونقصا فى الأطباء والتمريض وضغطا هائلا على الأسرة وأجهزة تتعطل وأدوية لا تصل فى موعدها ولوائح مالية شديدة التعقيد. وإذا كان المستشفى عاجزا عن توفير مستلزم معين، فإن إصدار أمر بعدم مطالبة المريض بشرائه لا يغير من الواقع شيء. القرار الشعبى سهل، أما توفير الاعتماد والتوريد والبديل فهو جوهر الإدارة.
الخطورة الأكبر أن الجولة قد تبحث عن الحلقة الأضعف فى المنظومة بدلا من البحث عن موضع الخلل الحقيقى. وغالبًا ما تكون الحلقة الأضعف هى الموجود فى المكان ساعة الزيارة، طبيب الاستقبال، ممرضة، موظف المخزن أو مدير المستشفى. هؤلاء يمكن تصويرهم ومواجهتهم ونقلهم، بينما تبقى الأسئلة الأصعب بلا إجابة، هل عدد الأطباء كافٍ؟ هل وصلت المخصصات؟ هل شركة النظافة اختيرت بعقد يسمح لها بأداء المهمة؟ من راقب تنفيذ العقد قبل وصول المحافظ؟ ولماذا احتاج اكتشاف التدهور إلى جولة مفاجئة أصلًا؟
حين تجرى المحاسبة أمام الكاميرات، يشعر المواطن للحظات بأن الدولة انتصرت له. لكنه يعود بعد أيام ليجد الطوابير نفسها، والنقص نفسه، وربما فريق طبى أكثر خوفا وتوترا وأقل استعدادا لاتخاذ القرار. أما العاملون فيشعرون بأنهم قُدموا بوصفهم المتهمين الوحيدين فى أزمة أكبر منهم.
وقد تكون النتيجة، كما ظهر فى استغاثة بعض العاملين بمستشفى قنا، أن يدخل المريض أو مرافقه رافعًا هاتفه، مقتنعًا بأن كل طبيب مشروع متهم، وأن التصوير والتهديد بالنشر هما الطريق الأسرع للحصول على الخدمة. عندها لا يتحسن ميزان القوة، بل ينتقل الاستقواء من طرف إلى آخر. وكرامة المريض لا تُصان بإهدار كرامة الطبيب، كما أن حماية الطبيب لا تعنى التستر على تقصيره. هناك قواعد للجولات الميدانية لا ينبغى إهمالها. عنها حديث.