بقلم: عبد اللطيف المناوي
استمر فى تناول الخطر فى التمويل الاستهلاكى، هو ليس فقط خطر الإفراط فى الاقتراض، بل خطر إساءة بناء الدين نفسه. فى السابق كنا نحذر من أن المواطن قد يدخل فخًا بيده نتيجة الحاجة أو ضعف الوعى أو إغراء التقسيط. اليوم نكتشف احتمالًا أخطر، أن يدخل المواطن الفخ دون أن يعرف أصلًا أنه دخل.
وهذا يفرض مراجعة شاملة. المطلوب ليس إلغاء التمويل الاستهلاكى ولا تشويه القطاع كله. فالسوق، كما ذكرنا، توسع بسرعة، والأرقام الرسمية تشير إلى أن عدد شركات التمويل الاستهلاكى النشطة بلغ ٤٨ شركة بنهاية عام ٢٠٢٥، وأن عدد العملاء تجاوز ١٠.٨ مليون، بقيمة تمويلات تقارب ٩٦.٣ مليار جنيه. هذه أرقام ضخمة فى مجتمع يعانى أصلًا من تضخم مرتفع، وتراجع فى القدرة الشرائية، وضعف فى معدلات الادخار. وهناك شركات ملتزمة، وهناك عملاء استفادوا بالفعل من الخدمة. المطلوب أن يُنظر إلى هذا النشاط باعتباره قطاعًا عالى الحساسية اجتماعيًا، لا مجرد سوق سريع النمو. يجب أن تكون هناك قواعد واضحة ومعلنة للتكلفة، والتحقق، والتوقيع، والموافقة، والاعتراض، ومسح الآثار الائتمانية فى حالات التلاعب. كما يجب أن يكون للمواطن حق سهل وسريع فى معرفة كل التزامات مسجلة باسمه، والاعتراض عليها قبل أن تتحول إلى عقوبة غير مستحقة.
الأزمة الأخيرة مهمة لأنها تكشف أن المجتمع المصرى لم يكن مستعدا بالكامل لهذا النموذج، لا اقتصاديا ولا ثقافيا ولا قانونيا. اقتصاديا، لأن الدخول لا تواكب الأسعار، فيلجأ الناس إلى الدين. ثقافيا، لأن الوعى المالى لا يزال محدودا. قانونيا، لأن النصوص موجودة، لكن الرقابة والتنفيذ والوقاية تحتاج إلى صرامة أكبر. ومؤسسيًا، لأن بعض الجهات تتعامل مع بيانات المواطنين باعتبارها أوراقا إدارية عابرة، بينما هى فى الحقيقة مفاتيح لهوياتهم المالية والقانونية.
التمويل الاستهلاكى قد يكون أداة مفيدة إذا أحسن تنظيمه، لكنه قد يتحول إلى آلة لإنتاج الغارمين والضحايا إذا ترك للتوسع دون رقابة كافية. والواقعة الأخيرة تقول بوضوح إن الخطر لم يعد فى القسط المتأخر فقط، بل فى البيانات المسروقة، والموافقة الغائبة، والدين الذى يولد فى الظل ثم يظهر فجأة فى سجل المواطن الائتمانى.
الفكرة فى أصلها ليست شريرة. التمويل الاستهلاكى موجود فى معظم الاقتصادات الحديثة، ويؤدى دور فى تحريك الأسواق، وتسهيل الشراء، وتنشيط التجارة. لكن خطورته تظهر حين يدخل مجتمع غير مستعد اقتصاديا وثقافيا وقانونيا إلى نموذج يعتمد على الدين السهل، والفائدة المركبة، والغرامات، والتحصيل العنيف أحيانا، والان استخدام البيانات الشخصية للاقتراض بأسماء أفراد دون ان يعلموا. هنا لا يصبح التقسيط وسيلة مساعدة، بل يتحول إلى شرك.
إنها ليست قضية مدرسة أو شركة فقط. إنها إنذار مبكر بأن حماية المواطن فى اقتصاد الديون لم تعد رفاهية، بل شرطًا لحماية الثقة فى المؤسسات، والاستقرار الاجتماعى، وسلامة السوق نفسها.