بقلم: عبد اللطيف المناوي
عندما وقّعت أمريكا وإيران مذكرة التفاهم فى ١٧ يونيو الماضى، كانت الستون يوماً تبدو فترة كافية لاختبار إمكانية الانتقال من وقف الحرب إلى تسوية أكثر استقراراً. الاتفاق أعلن «الإنهاء الفورى والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات»، وفتح مهلة للتفاوض حول الملفات الأصعب.
انتهت الأيام الستون، لكن لم تعد الحرب كما كانت، ولم يتحقق السلام الذى كان مفترضا أن تؤدى إليه المذكرة. النتيجة أن المذكرة نجحت فى وقف الحرب أكثر مما نجحت فى إنهائها.
لم تكن الستون يوماً بلا قيمة. فقد منحت الطرفين مساحة للخروج من دورة الضربات المتبادلة، وسمحت بعودة قنوات الاتصال والوساطات، وأثبتت أن واشنطن وطهران، رغم الخطاب المتشدد، تعرفان أين تقع حدود المواجهة التى لا تريدان تجاوزها. لكن المشكلة أن الوقت استُخدم فى إدارة الخلاف أكثر مما استُخدم فى حله.
مضيق هرمز يقدم الدليل الأوضح. قبل الحرب كان يعبر منه نحو خُمس النفط والغاز الطبيعى المسال فى العالم، لكنه تحول خلال الأزمة من ممر دولى إلى ورقة تفاوض رئيسية. إيران تتمسك بحقوق ترى أن المذكرة أقرتها لها فى إدارة الملاحة، بينما ترفض واشنطن هذه القراءة وتطالب بحرية المرور.
لكن الأخطر ليس ما لم يتحقق، وإنما ما تغير فى حسابات الطرفين. واشنطن اكتشفت أن التفوق العسكرى لا يساوى بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية. وطهران اكتشفت أن قدرتها على تعطيل هرمز تمنحها نفوذا كبيرا، لكنها تحمل فى داخلها خطرا معاكسا. استمرار الاختناق البحرى يضغط على اقتصادها ويضر دول الخليج ويهدد بتحويل أطراف حريصة على الوساطة إلى خصوم. وتشير تقارير من داخل إيران إلى قلق متزايد لدى السلطة من أن يؤدى المزيد من الضغط الاقتصادى إلى اضطرابات داخلية.
ولهذا جاءت نهاية المهلة بصورة تكاد تلخص الأزمة كلها. ترامب يقول إنه لن يمدد الاتفاق وإنه أصبح «منتهياً»، بينما تهدد طهران بالانتقال إلى وضع عسكرى «هجومى بالكامل» إذا فشلت الدبلوماسية، بما فى ذلك احتمال التحرك لكسر الحصار الأمريكى. وفى الوقت نفسه، تستمر اتصالات خلفية بين واشنطن ومراكز قوة إيرانية؛أى أن لغة الحرب ترتفع فى اللحظة نفسها التى لا تزال فيها أبواب التفاوض مواربة.
بعد ستين يوماً لا يستطيع أى من الطرفين إعلان النصر، كما لا يستطيع بسهولة العودة إلى نقطة البداية. إيران لم تستسلم، وأمريكا لم تحصل على التسوية التى أرادتها، وهرمز لم يعد إلى طبيعته، لكن الحرب الشاملة لم تعد أيضاً.
وهنا ربما تكمن النتيجة الحقيقية لهذه الأيام الستين، انتقل الطرفان من محاولة هزيمة الآخر إلى اختبار قدرته على الاحتمال. المرحلة المقبلة لن يحددها من يمتلك السلاح الأقوى فقط، وإنما من يستطيع تحمل التكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لفترة أطول.
الأمل أن تكون الهدنة علّمت الطرفين أن التسوية، مهما كانت مؤلمة، أقل كلفة من محاولة الانتصار الكامل وغير الممكن.