بقلم: عبد اللطيف المناوي
قد تنتهى الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وقد تتوصل المفاوضات الجارية إلى صيغة تعيد حركة السفن إلى مضيق هرمز، لكن من الصعب تصور عودة المضيق إلى ما كان عليه قبل هذه الأزمة. فالحرب لم تغير فقط حجم المخاطر المحيطة به، بل غيرت المفهوم السياسى والأمنى للمضيق نفسه.
قبل الحرب، كان هرمز ممرا دوليا مفتوحا عمليًّا أمام السفن، وفق نظام للمسارات البحرية يعود إلى عام ١٩٦٨، ومن دون رسوم عبور. وكانت إيران تملك بحكم الجغرافيا قدرة على تهديد الملاحة، لكنها لم تكن تملك اعترافا دوليا بحق إدارة المرور أو فرض شروط عليه. الحرب أخرجت هذه القدرة من نطاق التهديد النظرى إلى الممارسة الفعلية. وهذا هو التحول الأهم.
فإيران لم تعد تفاوض فقط على إنهاء الحرب أو رفع العقوبات، وإنما جعلت وضع هرمز بعد الحرب أحد أهدافها الاستراتيجية الرئيسية. والمقترحات التى يجرى بحثها مع عُمان تتناول بالفعل إعادة تنظيم حركة الدخول والخروج، ومنح طهران دورا فى التعامل مع السفن الداخلة إلى الخليج. وإذا تحقق شيء من ذلك، حتى من دون الاعتراف بالسيادة الإيرانية على المضيق أو السماح لها بفرض الرسوم التى تطالب بها، فإننا نكون أمام واقع مختلف عما كان قائمًا قبل فبراير الماضى.
تقول إيران إن المضيق تحت إدارتها، بينما تقول واشنطن إنها تملك «السيطرة الكاملة» عليه، وتهدد بالإبقاء على حصار الموانئ الإيرانية إلى أجل غير محدد. أى أن الخلاف أصبح صراعًا على من يضع قواعد هرمز، وليس فقط على من يستطيع تعطيله. لكن حتى إذا انتهت هذه المواجهة بتسوية تعيد حرية الملاحة كاملة، سيبقى أثر الحرب.
شركات الشحن والتأمين أصبحت تنظر إلى هرمز باعتباره خطرا سياسيا دائما يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى خطر عسكرى. وقد وصلت المشكلة إلى حد إدخال شركات التأمين شروطًا خاصة يمكن أن تسقط التغطية إذا دفعت السفينة رسوم عبور لإيران.
والأثر الأبعد سيكون خليجيًا، دوله أدركت بصورة أكثر حدة أن جزءا أساسيا من صادراتها ومواردها الاقتصادية يمكن أن يصبح رهينة أزمة لا تسيطر عليها. وهذا سيدفع إلى تسريع البحث عن خطوط أنابيب وموانئ وطرق تصدير تتجاوز هرمز، وإلى المطالبة بدور خليجى جماعى أكبر فى ترتيبات أمنه.
لذلك قد تكون التسوية الأكثر واقعية ليست انتصار الرواية الإيرانية ولا الأمريكية، وإنما تحويل هرمز تدريجيًا من ممر تحكمه قواعد دولية شبه تلقائية إلى ممر تديره ترتيبات سياسية وأمنية إقليمية أكثر تعقيدا. والمقترح العُمانى بآلية إقليمية مشتركة ورسوم طوعية للخدمات يسير بالفعل فى هذا الاتجاه.
ولهذا، عندما تنتهى الأزمة، ستعود السفن إلى هرمز، لكن هرمز نفسه لن يعود إلى ما كان عليه. فقد انتقل من ممر دولى كان أمنه أمر مفروغ منه، إلى ورقة قوة وسيادة وردع وتفاوض.