بقلم: عبد اللطيف المناوي
زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة ليست مناسبة للاحتفال بسبعين عاما من العلاقات الدبلوماسية فقط، لكنها فى لحظة يتصاعد فيها التنافس على تشكيل النظام الدولى. وفرصة لمصر لتوسع خياراتها دون أن تتحول إلى ساحة صراع بين شركائها.
بالنسبة إلى بكين لا تقتصر أهمية مصر على حجم سوقها. فالقاهرة نقطة اتصال بين العالم العربى وأفريقيا والبحر المتوسط، وقناة السويس شريان حيوى. تعميق الشراكة يعتبر استثمارا فى موقع مصر الاقتصادى ووزنها السياسى معاً. الصين تريد حضورا مستقرا عند أحد مفاتيح التجارة العالمية، وعلاقة مع دولة مؤثرة فى إقليم شديد الاضطراب.
المصلحة المصرية ينبغى أن تتجاوز زيادة الاستثمارات إلى تغيير طبيعتها. فالتجارة الثنائية، رغم نموها، تميل بشدة لمصلحة الصين، إذ بلغت الصادرات الصينية إلى مصر نحو ١٩.٩ مليار دولار فى ٢٠٢٥، مقابل صادرات مصرية بنحو ٨١٩ مليونا. ولذلك فإن الاختبار الحقيقى للزيارة ليس عدد الاتفاقيات، بل قدرتها على توطين الصناعة ونقل المعرفة وزيادة الصادرات.
سياسيا تمنح العلاقة مع الصين مصر مساحة إضافية للحركة، لكنها لا تستلزم استبدال شريك بآخر. فالقيمة الاستراتيجية لتنويع العلاقات تكمن فى تقليل الاعتماد، لا نقله من عاصمة إلى عاصمة. ومن مصلحة القاهرة أن تظل قادرة على التعاون مع واشنطن وبكين وأوروبا، وفق ملفات محددة ومصالح واضحة، بدل الوقوع فى اختبار ولاء دائم لأى معسكر.
إقليمياً تتيح الزيارة بحث أزمات غزة وأمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة من زاوية تجمع المصلحة المصرية فى منع اتساع الصراعات، والمصلحة الصينية فى حماية التجارة والطاقة. غير أن وزن بكين الاقتصادى لا يتحول تلقائياً إلى قدرة على فرض التسويات. تستطيع الصين دعم مواقف مصر وتوسيع دائرة التأييد لها، لكن ذلك لا يلغى تفاوت أدوات التأثير بينها وبين الولايات المتحدة.
وهنا يأتى سؤال الحساسية الدولية. أظن أنه لن تكون المشكلة لدى واشنطن فى زيارة رسمية أو مصنع جديد، بقدر ما قد تكون فى امتداد التعاون إلى التكنولوجيا الحساسة والبنية التحتية الاستراتيجية والتسليح. ويكتسب هذا البعد أهمية مع إعلان بكين تدريب «نسور الحضارة ٢٠٢٦» الجوى المشترك فى مصر، من منتصف أغسطس إلى أوائل سبتمبر. لكنه لا يعنى أن القاهرة تغير تحالفاتها.
أوروبيا قد تبرز مخاوف المنافسة الصناعية وقواعد منشأ السلع إذا توسع التصنيع الصينى الموجه للتصدير من مصر. وإسرائيلياً قد تزداد الحساسية إذا ترجم التقارب إلى تعاون عسكرى نوعى أو تأثير دبلوماسى أكبر فى الملف الفلسطينى.
أهمية الزيارة أنها تختبر قدرة مصر على تحويل موقعها إلى مكاسب، وعلاقاتها المتعددة إلى استقلال أوسع فى القرار. والنجاح ليس فى إثارة حفيظة قوة كبرى، ولا فى تجنبها بأى ثمن، بل فى بناء شراكة واضحة العائد، تحمى المصالح المصرية دون أن ترهنها.