بقلم: عبد اللطيف المناوي
الساحة الثانية للمنافسة بين تركيا وإسرائيل، بعد سوريا، هى شرق المتوسط. توقيع إسرائيل واليونان صفقة بنحو ثلاثة مليارات يورو لبناء منظومة «درع أخيل» متعددة الطبقات لا يمثل إعلانا لتحالف هجومى ضد تركيا، لكنها لا تنفصل أيضاً عن الخلاف اليونانى– التركى المزمن، ولا عن اتجاه إسرائيل إلى تعميق علاقاتها العسكرية مع اليونان وقبرص.
تقرأ أنقرة هذا التراكم باعتباره محاولة لتضييق حركتها فى المتوسط وربط إسرائيل بخصميها اليونانى والقبرصى. أما إسرائيل فترى فيه عمقا استراتيجيا وشبكة شراكات بديلة بعدما انهارت علاقتها بتركيا. لا يوجد حتى الآن حلف دفاع جماعى بين إسرائيل واليونان وقبرص، لكن هناك محورا مؤسسيا يزداد قدرة على العمل المشترك.
ومع ذلك، تبقى الحرب الشاملة بين تركيا وإسرائيل احتمالا بعيدا. تركيا تملك ثانى أكبر جيش فى الناتو، وإسرائيل تمتلك تفوقا جويا واستخباراتيا وقدرات صاروخية متقدمة. أى حرب بينهما لن تكون عملية محدودة أو سهلة الحسم، بل مواجهة إقليمية تتورط فيها الولايات المتحدة والحلف الأطلسى، وتهدد سوريا وقبرص وشرق المتوسط والملاحة والطاقة. لا تستطيع واشنطن التعامل معها بوصفها نزاعا بين خصمين عاديين، لأن الطرفين شريكان أساسيان لها، وإن اختلفت طبيعة العلاقة مع كل منهما.
كذلك لا تحتاج تركيا إلى حرب تعطل مكاسبها فى سوريا وتزيد ضغوطها الاقتصادية، ولا تحتاج إسرائيل إلى فتح جبهة مع قوة بحجم تركيا، بينما تواجه تحديات على جبهات أخرى. هدف كل طرف، فى الوقت الراهن، هو تقييد حركة الآخر ورفع تكلفتها، لا تدميره.
لذلك، فإن السيناريو الأرجح ليس الحرب، وإنما «حرب باردة خشنة»، ضربات إسرائيلية لمنع التمركز التركى، تعزيز تركى للجيش السورى، تعاون إسرائيلى أوسع مع اليونان وقبرص، تنافس استخباراتى وسيبرانى، وضغوط متبادلة داخل واشنطن. وقد يتخلل ذلك احتكاك عسكرى محدود، خصوصا فى الأجواء السورية، من دون أن يتحول بالضرورة إلى مواجهة مفتوحة.
لكن استبعاد الحرب لا يعنى استبعاد الخطر. الحروب لا تبدأ دائماً بقرار مسبق، أحياناً تبدأ حين يسىء طرف تقدير استعداد الطرف الآخر للتراجع. وسيزداد الاحتمال إذا قتلت غارة إسرائيلية جنودا أو مستشارين أتراكا، أو إذا نشرت أنقرة دفاعات جوية تقيد حركة الطيران الإسرائيلى، أو إذا استُهدفت قاعدة تركية عاملة عمداً، أو تحوّلت قبرص وشرق المتوسط إلى ساحة انتشار عسكرى مباشر.
العلاقة التركية- الإسرائيلية تجاوزت مرحلة السجال حول غزة، وتحوّلت إلى خصومة استراتيجية متعددة الساحات، تتزايد أبعادها العسكرية. غزة صنعت القطيعة، وشرق المتوسط يبنى التحالفات، لكن سوريا هى المكان الذى يمكن أن تقع فيه الطلقة الخطأ.
الصدام ليس حتميا، لكنه لم يعد مستبعدا. أما الحرب الشاملة فتبقى مؤجلة، لا لأن الثقة قائمة بين الطرفين، بل لأن كلفة المواجهة أكبر حتى الآن من المكاسب التى يتصورها أى منهما. الخطر أن تتغير هذه الحسابات فى لحظة خطأ واحدة.