بقلم : عبد اللطيف المناوي
ليس الحديث عن «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» جديداً. ظهر المصطلح بعد اتفاق أوسلو فى رؤية شيمون بيريز التى بشّرت بمنطقة تصنعها المصالح الاقتصادية، وعاد خلال حرب لبنان عام 2006 عندما تحدثت كوندوليزا رايس عن «مخاض شرق أوسط جديد». واليوم يعود المصطلح، لكن من بوابة الحرب لا السلام، ومن خلال موازين القوة لا مشروعات التكامل.
منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تعد المواجهة محصورة فى غزة. امتدت إلى لبنان وسوريا واليمن والبحر الأحمر، ثم تحولت المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران إلى حرب مفتوحة انخرطت فيها الولايات المتحدة. لذلك لم نعد أمام سلسلة أزمات منفصلة، بل أمام صراع على شكل النظام الإقليمى نفسه، من يملك الردع؟ من يسيطر على الممرات البحرية؟ ومن يحدد مستقبل الدول التى تقاسمت السلطة داخلها حكومات رسمية وتنظيمات مسلحة؟.
التحول الأكثر وضوحاً هو تراجع المحور الإيرانى بصورته القديمة. تلقت حماس وحزب الله ضربات قاسية، وسقط نظام الأسد الذى مثّل ممرا استراتيجيا لطهران، وانتقلت الحرب إلى الداخل الإيرانى. لكن تراجع النفوذ لا يعنى انتهاء القدرة على التعطيل، فما يحدث فى مضيق هرمز وعودة الحوثيين إلى مهاجمة السعودية وتهديد باب المندب يثبتان أن إيران وحلفاءها ما زالوا يملكون أوراقًا مؤثرة.
فى المقابل توسعت حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، لكنها لم تتحول إلى قدرة سياسية على بناء نظام جديد. تستطيع إسرائيل تدمير منشأة أو اغتيال قائد أو إقامة منطقة عازلة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها إنشاء سلطة شرعية فى غزة، أو بناء دولة لبنانية مستقرة، أو ضمان خضوع إيران الدائم. التفوق العسكرى يصنع وقائع، لكنه لا يصنع بالضرورة سلاما أو قبولا إقليميا. كذلك تصعد قوى أخرى. تركيا توسع حضورها فى سوريا والمشرق، ودول الخليج تنوع شراكاتها الأمنية وتبحث عن حماية لا تعتمد حصراً على واشنطن، بينما تدخل باكستان بصورة أوضح فى معادلات الردع. وتحولت هرمز وباب المندب وقناة السويس من ممرات تجارية إلى عناصر مباشرة فى الصراع على القوة والاقتصاد العالمى. لهذا، فإن الحديث عن إعادة التشكيل حقيقى فى مستوى موازين القوة والتحالفات، لكنه مبالغ فيه إذا كان المقصود أن نظاماً جديداً قد اكتمل. لا يوجد منتصر حاسم، ولا تسوية للقضية الفلسطينية، ولا اتفاق نهائى حول إيران، ولا استقرار فى لبنان وسوريا واليمن.
الأرجح أننا نتجه إلى شرق أوسط متعدد المراكز، أكثر تسلحًا وأقل يقينًا، إسرائيل قوية عسكريًا ولكنها محدودة سياسيًا، إيران أضعف لكنها قادرة على الإيذاء، تركيا والخليج أكثر حضورًا، والولايات المتحدة باقية بقوتها لكن الثقة بضماناتها تتراجع.
نحن أمام هدم لقواعد النظام القديم أكثر مما نحن أمام بناء نظام جديد. المهم الآن ليس هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط بل من يشارك فى تشكيله، ومن يكتفى بدفع الثمن.