بقلم:عبد اللطيف المناوي
أحد الموضوعات المثيرة للجدل فى مصر خلال السنوات الأخيرة هو ملف كلاب الشوارع. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى موضوعًا هامشيًا لا يستحق كل هذا السجال والانفعال، لكن الحقيقة تبدو مختلفة تمامًا عند متابعة حجم الجدل والحوادث والانقسامات التى أحاطت به، وصولًا إلى تبادل اتهامات حادة ونظريات ذهبت أحيانًا إلى حدود الحديث عن “مؤامرات كونية” تستهدف البشر، ومصر بالطبع فى مقدمة المستهدفين!!.
الجدل الدائر يخلط بين مشكلة حقيقية قائمة وخطاب تآمرى يفتقر إلى الأساس العلمى والمنطقى.
المشكلة الحقيقية أن كلاب الشوارع تحولت إلى ملف عام يمس الصحة العامة والسلامة المجتمعية والبيئة وإدارة المدن وصورة المجال العام نفسه.. لكن فى المقابل، لا توجد أدلة جدية على وجود “كارتيلات دولية” أو “تشريس كيميائي” أو “مؤامرات بيئية” تدير الظاهرة كما يروج البعض.
الأقرب إلى الحقيقة علميًا أن وفرة الطعام فى الشوارع، سواء عبر القمامة المفتوحة أو مخلفات المطاعم أو الإطعام العشوائى، تزيد قدرة الكلاب على البقاء والتكاثر، وتؤدى إلى تمركزها فى مناطق محددة، ما يرفع احتمالات الاحتكاك بالبشر والصراع على المجال والمساحة.
الأخطر هو الصحة العامة. فبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن عضات وخدوش الكلاب مسؤولة عن حالات انتقال السعار للبشر. وفى الوقت نفسه تؤكد المنظمة أن قتل الكلاب السائبة بشكل عشوائى ليس حلًا فعالًا، وأن الوسيلة الأكثر جدوى هى التطعيم الجماعى والتعقيم.
تتداخل أبعاد الظاهرة بشكل معقد. فهى بيئية بسبب القمامة المفتوحة ومخلفات الطعام، واجتماعية بسبب الصدام اليومى بين الخوف من العقر والتعاطف مع الحيوان، واقتصادية بسبب تكلفة الأمصال والعلاج وبرامج التعقيم والملاجئ، وثقافية بسبب غياب قواعد واضحة للتعامل مع الحيوان فى المجال العام، وأمنية وإدارية لأنها تمس سلامة الأطفال والمارة والسياحة وصورة المدن.
زادت الأزمة بعد ٢٠١١، مع تراجع قدرة بعض الأجهزة المحلية والصحية والإدارية على القيام بأدوارها التقليدية، سواء بسبب الضعف أو نقص الإمكانيات أو الخوف من الصدام المجتمعى أو غياب السياسات الواضحة والمستمرة. وتحول الأمر إلى مصدر قلق يومى لدى قطاعات واسعة من الناس.
الحل ليس فى شيطنة جمعيات الرفق بالحيوان أو المواطنين المتعاطفين مع الحيوانات، وليس فى ترك الشارع للفوضى. المشكلة تُحل بسياسة متكاملة تقوم على مفهوم “الصحة الواحدة”، بحيث يجرى التعامل مع الإنسان والحيوان والبيئة باعتبارهم جزءًا من منظومة واحدة مترابطة.
ويشمل ذلك حصر الأعداد بشكل دقيق، وتنفيذ برامج تطعيم واسعة ضد السعار، والتعقيم السريع والمنظم، ومنع الإطعام العشوائى فى الشوارع، مع تخصيص نقاط تغذية منظمة بعيدًا عن المدارس والمداخل السكنية، إلى جانب ضبط القمامة ومخلفات المطاعم، وعزل الكلاب العدوانية أو المريضة، ومحاسبة أصحاب الكلاب المنزلية أو كلاب الحراسة عند التخلى عنها.
الخطر موجود بالفعل، وجوهر الأزمة ليس مؤامرة، بل فشل مزمن فى إدارة المجال العام، وهى مشكلة تتجاوز ملف الكلاب وحده، لتكشف خللًا أوسع فى العلاقة بين الدولة والمجتمع والمدينة وقواعد العيش المشترك داخل المجال العام.