«يسرا اللوزي» درسٌ هادئٌ في الحضارة

«يسرا اللوزي»... درسٌ هادئٌ في الحضارة

«يسرا اللوزي»... درسٌ هادئٌ في الحضارة

 العرب اليوم -

«يسرا اللوزي» درسٌ هادئٌ في الحضارة

بقلم : فاطمة ناعوت

نشرت الفنانةُ الجميلة «يسرا اللوزى» صورةً لها مع طفلتها الجميلة «دليلة». الصورة تنطق بالجمال بجميع مستوياته. حلاوةُ الشكل، براءةُ العيون، الحنوُّ والبساطةُ وفوق كل هذا: «الأمومة»، التى تُشعُّ وحدَها ضوءَها الخاص. يكفى أن تنظر إلى هذين الوجهين الجميلين لتشعر بأن الحياة حلوة. لكنْ، ولأن الجمالَ يقهرُ القبحَ، تجتهدُ الدمامةُ أن تُطلَّ بوجهها لتفسدَ لوحةَ الجمال الآسر! وجه الدمامة تجسّدَ فى تعليق أقل ما يوصف به أنه «وقح»؛ وهذه كلمة شديدة التهذيب، لهذا بوسعك أيها القارئ أن تفتح سلّة الكلمة وترمى فيها كل ما سمعته فى حياتك من قاموس الوقاحة والانحطاط. مُعلّقُ رقيع عديم التربية يعايرُ الفنانةَ الجميلة بـ«صمم» طفلتها! تصوّروا مستوى الانحطاط والبذاءة!

لكن القصة لم تنته هنا، وإلا لضممنا الحكايةَ لأرشيف حالات التنمّر والبذاءة التى نتعرّضُ لها جميعًا على يد فقراء الخُلُق والدين. الحكاية امتدت إلى منطقة النور والحضارة حين قررتِ الفنانةُ المثقفة خريجةُ مدارس «مير دى ديو» Mère de Dieu، ألا تتجاهل التعليق التافه، وتشدّه من الظلام إلى النور. قالتِ الجميلة ردًّا على التعليق:

(شكرًا على ذوق حضرتك. أنا قررت أستغلّ كلامك اللطيف عشان أقدم شوية توعية بخصوص هذا المصطلح: أولًا، المصطلح الصحيح والمقبول هو الصُّم وضعاف السمع، وليس «الطرش» أو «البكم». ثانيًا، أحب أعبّر عن فخرى بكونى والدة طفلة صماء لأنها علمتنى حاجات كثيرة جدًا، وبقيت بنى آدمَة وأم أحسن بسببها. وأنا متأكدة إنها هتطلع إنسانة مثقفة ومتفوقة ومش هتحتاج مساعدة من حد عشان تحقق أحلامها).

تصوروا حجمَ الفجوة الحضارية والتربوية والثقافية والأخلاقية بين الطرفين! يقول لها: بمنتهى الوقاحة: - «ماشى يا أم الطرشة»، فتكظمُ الجميلةُ غيظَها، وتعفو عنه، ثم تُحسن إليه بأن تعلّمه ما فاته تعلُّمه من أمّه ومن المدرسة، إن كان قد عرف يومًا طريقَ المدارس. هكذا طبّقت «يسرا» الآيةَ الكريمة: «والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناس والله يُحبُّ المحسنين»، تطبيقًا حرفيًّا أنيقًا. «يسرا اللوزي»، فى هذه الواقعة، لم تُقدّم درسًا فى الإنسانية والأخلاق وحسب، بل قدّمت درسًا فى السيطرة على المعنى. ومَن يملك المعنى لا يُهزَم. درس يُعلّمنا أن ليس كل إساءة تستحق انفعالًا، ولا كل جهل يستحق شتيمة، بل من السموّ أن تُرِى خِصمَك ضآلتَه وضآلة أدواته. ما فعلته الفنانةُ المثقفة ليس «ردًا راقيًا» وحسب، بل أعلنت إفلاس الخصم بأن تركته عاريًا أمام لغته. لم تُدِن المتنمر، ولم ترفع نفسَها، بل رفعت مستوى الحديث، ثم غادرت.

«يسرا اللوزى» لم تتصرف كما تفعل «الضحايا النموذجيات» فى زمن السوشيال ميديا: لم تطلب التعاطف من جمهورها العريض، لم ترفع الصوت، لم تحذف التعليق وتحظر صاحبَه، ولم تتقمص دور الأم الجريحة. اختارت ما هو أخطر: اللغة الدقيقة والمعرفة، والسموّ.

بدأت من «الموضوعي» بتفكيك المصطلح، لا بوصفه خطأ لغويًّا، بل بوصفه خللًا معرفيًا. قالت، بهدوء إن التعبير الصحيح هو «الصُّم وضعاف السمع»، لا الألفاظ الدارجة التى تنتمى إلى زمن كان يعتبر الإهانة توصيفًا. لم تُدافع عن ابنتها، بل أعادت ترتيب أوراق الوعى العام: مَن يملك حق التسمية؟ ومن يقرر ما هو «طبيعي» وما هو «ناقص»؟ ثم انتقلت إلى «الخاص»: أن ابنتها لم تكن عبئًا، بل «معرفة». أنها لم «تتحمّل» اختلافها، بل تعلّمت منه. وأن هذه الطفلة الساحرة، التى أرادها المتنمرُ مادةً للسخرية، لا تحتاج شفقة أحد كى تحقق أحلامها.

الفرق بين المتحاوريْن بمسافة عشر سنين ضوئية، فهو ليس خلاف رأى، بل اختلاف تربية. ليس خلافًا لغويًا، بل مسافة أخلاقية. الفارق بين الطرفين فارقٌ «بنيوى». الأول يتكلم من موقع الغوغاء والحوشة، والثانية تتكلم من موقع السيادة: تعرف ما تقول، ومتى تتوقف. لم تُدافع عن ابنتها بالشكوى، بل بالعلم. لم تنتقم بالكلمات، بل أعادت بناء اللغة. صحّحت المصطلح، وسمّت الأشياء بأسمائها. كأنها تقول: الجهلُ ليس فى الإعاقة، بل فى اللسان الجهول المسموم. طرفٌ يرى فى الاختلاف مادةً للسخرية، وطرفٌ يرى فيه درسًا فى الإنسانية. طرفٌ يكتب من قاع ثقافة شعبوية هجومية، وطرفٌ يتحدث من موقع أمٍ متصالحة، مثقفة، تعرف أن الكرامة لا تُنتزع، بل تُمارَس. هذه ليست معركة شخصية، بل نموذج مصغر لمعركة أكبر: بين مجتمع يتعلّم كيف يتكلم عن الاختلاف، ومجتمع ما زال يضحك عليه. بين لغة تُنقذ، ولغة تُدمّر. بين إنسانٍ يُربّى، وآخر يُفرّغ عقدَه ومرضه فى تعليق.

هنا، بالضبط، يسقط التنمر. ليس فقط لأنه جريمة أخلاقية، بل لأنه فقير. فقير لغويًا، فقير رمزيًا، فقير إلى حدّ أنه لا يملك إلا الإشارة بالإصبع. فخورةٌ بك يا صديقتى الجميلة «يسرا اللوزى». وقُبلة لـ«دليلة».

arabstoday

GMT 06:59 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

رؤية موضوعية وعاقلة للاقتصاد المصرى

GMT 06:55 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

ليس سقوطًا كاملًا لكنه تآكل

GMT 06:53 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

حقيقة دونالد ترامب

GMT 06:51 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

لغة بين رئيسين

GMT 04:41 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

كما في الرسم

GMT 04:36 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

أغنى رجل بمصر... وتجارة تزوير الوثائق

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«يسرا اللوزي» درسٌ هادئٌ في الحضارة «يسرا اللوزي» درسٌ هادئٌ في الحضارة



النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ العرب اليوم

GMT 16:07 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

أشرف حكيمي يصنع التاريخ في الدوري الفرنسي

GMT 00:17 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

ميسي يواصل التألق مع اقتراب كأس العالم 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab