ليس سقوطًا كاملًا لكنه تآكل

ليس سقوطًا كاملًا لكنه تآكل

ليس سقوطًا كاملًا لكنه تآكل

 العرب اليوم -

ليس سقوطًا كاملًا لكنه تآكل

بقلم : عبد اللطيف المناوي

امتداداً للحديث عن التغيرات التى تشهدها بريطانيا، فإن انهيار الثقة فى «النخبة التقليدية» هى أحد الأسباب فى صعود حزب الإصلاح. وهذا ليس تطورًا بريطانيًا خالصًا، بل جزء من موجة أوسع تضرب الغرب كله. ففى فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وحتى الولايات المتحدة، تتراجع الأحزاب التقليدية لصالح قوى شعبوية تقدم نفسها باعتبارها «صوت الناس الحقيقى» ضد المؤسسات القديمة.

صعود حزب الإصلاح ليس ظاهرة معزولة، بل امتداد واضح لموجة اليمين الشعبوى الأوروبى. الفارق فقط أن بريطانيا كانت حتى وقت قريب تبدو أكثر قدرة على مقاومة هذا التحول بسبب قوة مؤسساتها السياسية وتقاليدها الحزبية العريقة. لكن نتائج الانتخابات الأخيرة تقول إن بريطانيا لم تعد استثناءً.

السؤال هو هل يستطيع حزب الإصلاح تكرار هذه النتائج فى الانتخابات التشريعية عام ٢٠٢٩؟.

لكن الخطر الحقيقى على العمال والمحافظين لا يكمن فقط فى احتمال فوز حزب الإصلاح بالحكم، بل فى قدرته على إعادة تشكيل الحياة السياسية البريطانية نفسها. فحتى إذا لم يحكم، يكفى أن يسحب كتلة انتخابية ضخمة من الحزبين التقليديين ليُدخل البلاد فى عصر من الحكومات الضعيفة والائتلافات الهشة والانقسام السياسى المستمر.

وهنا تظهر مسألة أكثر حساسية ماذا يعنى صعود هذا اليمين بالنسبة للمهاجرين والأقليات؟.

من الواضح أن جزءًا كبيرًا من خطاب حزب الإصلاح يقوم على التشدد تجاه الهجرة. وحتى لو حاول الحزب تقديم نفسه باعتباره مدافعًا عن «ضبط الحدود» لا عن العنصرية، فإن صعود هذا الخطاب يثير بالفعل قلقًا واسعًا بين الأقليات والمهاجرين، خاصة المسلمين واللاجئين.

الخطر هنا لا يتعلق فقط بالقوانين، بل بالمناخ العام. فكلما تصاعد الخطاب الشعبوى زادت احتمالات الاستقطاب الاجتماعى، وارتفعت حدة الانقسام بين «البريطانى الأصلى» و«الآخر»، حتى لو لم يُصَغ ذلك رسميًا بهذه اللغة.

لكن فى المقابل، فإن تجاهل مخاوف قطاعات واسعة من البريطانيين بشأن الهجرة والهوية كان أحد الأسباب الرئيسية لصعود هذا اليمين أصلًا. وهذه هى المعضلة الأوروبية الكبرى اليوم كيف يمكن التوفيق بين قيم الانفتاح الليبرالى وبين مخاوف المجتمعات من فقدان السيطرة على الحدود والهوية والتماسك الاجتماعى؟.

ربما لهذا تبدو بريطانيا اليوم أمام لحظة مفصلية. ليست لحظة سقوط كامل للنظام القديم، لكنها بالتأكيد لحظة تآكل تدريجى لقواعده التقليدية.

فبريطانيا التى عرفها العالم لعقود بوصفها نموذجًا للاستقرار السياسى والوسطية والتداول الهادئ للسلطة، تبدو اليوم أكثر غضبًا وانقسامًا وقلقًا من نفسها. وربما يكون السؤال الحقيقى ليس ما إذا كان حزب الإصلاح سيحكم بريطانيا قريبًا، بل ما إذا كانت الأحزاب التقليدية قادرة أصلًا على استعادة ثقة مجتمع بدأ يشعر أن النظام القديم لم يعد قادرًا على تمثيله أو حمايته.

ما يحدث اليوم فى بريطانيا ليس مجرد تغير انتخابى عابر، بل علامة على تحول أعمق فى الغرب كله. انتقال السياسة من صراع البرامج الاقتصادية التقليدية إلى صراع الهوية والغضب والخوف من المستقبل.

 

 

 

arabstoday

GMT 06:59 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

رؤية موضوعية وعاقلة للاقتصاد المصرى

GMT 06:53 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

حقيقة دونالد ترامب

GMT 06:51 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

لغة بين رئيسين

GMT 04:41 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

كما في الرسم

GMT 04:36 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

أغنى رجل بمصر... وتجارة تزوير الوثائق

GMT 04:33 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

زحام الأولويات وضيق الخيارات!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليس سقوطًا كاملًا لكنه تآكل ليس سقوطًا كاملًا لكنه تآكل



النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ العرب اليوم

GMT 06:59 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

أذكار الصباح اليوم الأربعاء 13 مايو/ أيار 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab