(١)
غريب أمر هذا الذى يمشى على الأرض هونًا، مثقلًا بتواضعه، كيف كلما مر بأهل الكبر والسطوة شمخ بأنفه، وجهر بما جعلهم ينكمشون فى أماكنهم حائرين، فقال: ـ لا شىء يستعبد الإنسان أكثر من سعار شهوات المال والبطن والفرج والصيت والمنصب، لكن العزيز يسمو، ويركل بقدميه كل ما معهم من فخاخ لاصطياده
(٢)
على أبواب أيامهم الشاحبة الذاهبة، التى يتجرعون فيها كأس الخيبة والخزى والمرارة، ينتظرون هذا الجسور، فى يمناه ميزان من نور، وفى يسراه ترياق يسع الأرض طولًا وعرضًا، يضمد به جراح المغلوبين والمتعبين والمظلومين، ولا يشغله أن يسمع من أحدهم ثناء ولا شكورًا.
عادة ألفوها طوال القرون، ولم يحصدوا سوى الآلام. صولجان يعقب هيلمان، وتتبخر الآمال والوعود، ويردد المستسلمون والخائرون والمنافقون والمنتفعون منهم، كى يدب اليأس فى أوصالهم: «لا تحلموا بعالم سعيد.. فخلف كل قيصر يموت.. قيصر جديد».
لم يتوقفوا ليعرفوا أن القياصرة والأكاسرة عبر التاريخ لم يتركوا طواعية ما بأيديهم، ويخفضوا الجناح، وينصتوا إلى أنين المتعبين، إنما لأن دعاة العدل والحرية والكرامة فزعوا لإنسانيتهم الجريحة، واحمرت عيونهم خيرًا لا شرُا.
يا أيها الذين تنتظرون صاحب النور والترياق، عليكم أن تعرفوا أنه لن يسقط عليكم من السماء، ولن تنشق عنه الأرض، ولن يخرج من كهف بجبل بعيد، ولن تجدوه طافيًا على سطح النهر ينظر إليكم ويبتسم، إنما يخرج من بينكم، وتوجده أيديكم. المستقبل لا يأتى وحده، ولا يتهادى صدفة، إنما يتم تصنيعه.
(٣)
رجل الأعمال إن اشتغل بالسياسة كانت عيناه على ماله أكثر منها على الصالح العام. ويزيد هذا إن كان حجم الأعمال ضخمًا، والثروة طائلة. بالطبع هناك استثناءات نادرة تثبت القاعدة ولا تنفيها، ويكون أصحابها قد بلغوا مكانة عالية من الترفع والإيثار. لهذا إن وجدت رجل أعمال يمدح مسؤولًا أو سلطة أو دولة ما، عليك أن تسأل أولًا عن منافعه من هؤلاء جميعًا، حتى تعرف ما إذا كان رأيه متجردًا مستقلًا أم مغموسًا فى مصلحته الشخصية.
وإذا وجدت رجل أعمال يتقلب فى آرائه فابحث عن دوران هذه الآراء مع المصالح، كما يفعل نبات «دوَّار الشمس»، اللهم إلا كان معروفًا عنه أنه صاحب رأى أو انشغال بالشأن العام قبل أن يصبح صاحب ثروة هائلة، وأن التقلب من طباعه، لأسباب نفسية، أو لجدل مع الذات.
ويمكن لرجل أعمال ليبرالى أن يستثمر فى دولة يحكمها الطغيان، ورجل أعمال علمانى يستثمر فى بلد يحكمه رجال دين، ورجل أعمال يسارى يستتثمر فى بلد يبلغ فيه التوحش الرأٍسمالى مداه.
هذا تصور استقر فى ذهنى منذ أن قرأت بحثًا للأستاذ حاتم نصار عام ١٩٩٤ وكنا قد تزاملنا فى العمل سنتين بأحد مراكز الأبحاث. وقتها كانت بداية صعود رجال الأعمال فى الحياة السياسية المصرية خلال عهد مبارك.
لا علاقة لهذا بضرورة تشجيع القطاع الخاص، والعمل على أن يحوز نسبة معتبرة من الاقتصاد، شرط أن توضع له خطة تنمية حقيقية، إذ أن الحافز الفردى وراء كل نجاح، ببنما فساد الأخلاق والإدارة والمال حول المشروعات العامة إلى عزب أو تكايا، لكننا نتحدث هنا عن خلط السياسة بالثروة، وتحويل رجال الأعمال إلى مجرد رجال أموال.
(٤)
قلت من قبل إن السيد الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة الحالى فى حاجة إلى أن يتلقى دروسا فى السياسة، يبدأها من الصفر. وكان هذا وقت أن احتد على رجل مريض فى أحد المستشفيات، وها هو قبل أيام يؤكد حاجته إلى كيف يتصرف بكياسة سياسية. إن غضبه أمام مجلس الشيوخ غير مبرر، أما قوله للنواب «أنا غلطان اللى جت لكم»، ثم انصرافه عنهم، فهذه سقطة سياسية غير مسبوقة، فى ظل غياب السياسة.
على العموم مجالس نيابية يعرف الوزير والخفير كيف قامت، ويدرك كلاهما أن الناس ليسوا خلفها.. ليس من المستغرب أن يتم التعامل معها بهذه الطريقة.
(٥)
من يتابع الإعلام الأمريكى اليوم يدرك الورطة التى تعيشها الولايات المتحدة، وخصوصا رئيسها دونالد ترامب. هجوم شديد، ونقد لاذع لما يفعله ترمب فى الخليج، وحديث يقيم نتائج الحرب، حتى الآن، بين حيرة وتعثر وعجز وصولا إلى هزيمة على المدى الطويل، لاسيما بعد ضرب القواعد الأمريكية فى الخلييج، وإخراج أغلبها من الخدمة.
يخرج ترامب بين حين وآخر ليواصل الكذب، وهو هنا لا يخاطب العالم، الذى لم يعد يأخذ أقواله على محمل الجد، إنما أنصاره المهووسين به، لكنه يفقد كل يوم بعضهم.
ينزف ترامب بلا توقف، ولا يعرف كيف يرد على من يقولون له: «هذه حرب نتنياهو»، أو من يتحدثون عن أن رئيسهم فاقد إرادته لابتزازه على خلفية فضائح إبستين.
(٦)
منذ متى كانت الولايات المتحدة الأمريكية تُوقف أى حرب إن كانت قادرة على تركيع خصمها؟
منذ متى كانت رحيمة بالبشر والشجر؟
منذ متى كانت تتفاوض فى سبيل حل مشكلة بالدبلوماسية بوسعها أن تحلها بالنار والدمار؟
لهذا ما كان لترامب أن يوقف ما أسماها «عملية الحرية» التى سعى منها لفتح مضيق هرمز لولا أنه أخفق فى تحقيق هذا خلال المحاولة الأخيرة، ووجد نار إيران جاهزة ومتحدية.
أعرف أن الطرفين المتحاربين يطلقان روايتين متناقضتين، يقف منهما الحصيف حذرا، لكن النتائج تظهر مع الوقت أى من الروايتين هى الأصدق، أو أقرب إلى الصدق.