توقيع «فاروق حسني» على جدارية التاريخ

توقيع «فاروق حسني».. على جدارية التاريخ

توقيع «فاروق حسني».. على جدارية التاريخ

 العرب اليوم -

توقيع «فاروق حسني» على جدارية التاريخ

بقلم : فاطمة ناعوت

أحلامُ الكبار لا تموت. بل تكافحُ لتغادرَ أرضَها؛ وتصيرُ واقعًا يَسُرُّ الناظرين. وها هو حلمُ الفنان «فاروق حسني» ينهض من قلب الرمال، ثم يشرقُ على جبين مصر شمسًا تتوّج أعظمَ متحف لحضارتها على وجه الأرض. «المتحف الكبير» كان لوحةً مؤجَّلة رسمها الوزيرُ الفنان فى قلبه وفى مرسمه؛ لأنه يدرك أن الفنّ هو الجسرُ الذى تعبر عليه الأمم والحضارات من الذاكرة إلى المستقبل، وأن الجمالَ جزءٌ أصيلٌ من الأمن القومى. بعد غدٍ يوقِّعُ الفنانُ الحالمُ على لوحة رسمها، وجعل من مصر إطارًا لها.

كثيرٌ من الأحلام تظلُّ حبيسةَ أرض الأحلام قيد الخيال. وبعضها تتجسّد لتصير حجارةً وعمارةً ومجدًا جديدًا. Grand Egyptian Museum كان فكرةً راودت وزيرًا يتيه فخرًا بحضارة بلاده، وصار اليوم صرحًا مهيبًا يجمعُ تراثنا الماجد صنعةَ أيادى أجدادنا العظماء.

منذ تسلّم حقيبة الثقافة فى ثمانينيات القرن الماضى، لم ينظر إلى وزارته كمنصب إدارى أو كرسيّ سلطة، بل كمشروع ثقافى وفنى كبير. رجلٌ جاء من محراب اللون، كان من الطبيعى أن يقود الوزارة بروح رسامٍ يخط أحلامه على جدار الزمن. وحين حَلُم بمتحف يليق بتاريخ مصر، لم يكتفِ بالترميمات ولا بتوسيع المخازن. بل رامَ وثبةً حضارية تليق بمصرَ، وتكمل مسيرة التاريخ من حيث توقّف الأجداد.

هكذا وُلدت فكرةُ المتحف الكبير. أطلق الفنان «فاروق حسني» مسابقة عالمية للتصميم، جاب العواصمَ، قدّم فكرته للمؤسسات الثقافية، طرق أبواب التمويل، وأصرّ أن يرى المشروعُ النورَ مهما طال الزمن. يومها، لم يكن أحد يتخيّل أن مصر ستضع على عتبات الأهرامات أعظم متحف مصرى فى العالم. لكن الفنان الذى خبر قيمة الحلم ظلّ يقاوم، يشرح، يخطط، ويقنع. لم يكن مشروعًا هندسيًا فحسب، بل مشروع هوية وطنية.

اليومَ ونحن نتجوّل بين القاعات التى تحتضن كنوزَ الفراعنة، ندرك أن «فاروق حسني» لم يكن وزيرًا برتبة فنان وفقط، بل كان حامل شعلة تنوير. فهو الذى غرس البذرة التى أثمرت هذا الصرح المهيب. ولذا يصبح الحديث عن المتحف الكبير دون ذكر اسمه، ضربًا من جحود الذاكرة. ومصر، كما نعرفها، تزهو بمن يكرّس أمجادها. ولذا قال الله تعالى: «ولا تبخسوا الناسَ أشياءهم».

كم هو مشرقٌ أن نرى الفنان »فاروق حسنى« حاضرًا يوم الافتتاح إلى جوار الرئيس المثقف «عبد الفتاح السيسى»، بين قادة العالم وضيوف مصر، ليقصّا شريط المجد ويشهدا اكتمال الحلم الذى ما عاد حلمًا؛ لكى نخطَّ رسالة إنسانية وأخلاقية تقول للأجيال: إن الأحلام الكبرى تحتاج إلى رجال يحرسونها؛ حتى تغادر خانة الحلم وتسجّل حضورها فى خانة الواقع.

المتحف المصرى الكبير ليس صرحًا عملاقًا نباهى به الزمان، بل هو تعويذة حضارية، تعيد صياغة علاقة مصر بتاريخها، وتفتح أبواب المستقبل للسياحة والثقافة والاقتصاد. المتحف رؤية معمارية تُحاور المكان لا تنافسه: الهرم فى الخلفية، المتحف فى الامتداد؛ وكأن الزمن يسير أفقيًا فى خط واحد من ماضى مصر إلى مستقبلها. وأما المحتوى، فليس «تجميعًا» لآثار مصر، بل «هندسة معنى»: الفرعون جوار مُعتقده، القطعة جوار سياقها، والنص جوار روحه. وهكذا يُولد المتحف ككتاب مفتوح، لا كصندوق مغلق.

فى مثل هذا الصرح العظيم، يصبح الفنُّ معرفة، والمعرفةُ هوية، والهويةُ مشروعًا للمستقبل. وهذا بالضبط ما آمن به الفنان «فاروق حسني» حين حَلُمَ، وما أكدته الدولة المصرية حين أنجزت. لقد تلاقى القلبُ الذى حلم، مع القلم التى خطّط، مع العقل الذى قرر، مع الأيادى التى نفذت؛ فكانت النتيجة صرحًا يليق ببلدٍ كتبت السطرَ الأول فى كتاب الحضارة، فإذا ذُكر التاريخ ذُكرت معه.

واليوم، بعد سنوات طوال من التخطيط والبناء والعمل الدؤوب، يأتى الافتتاح الرسمى ليؤكد أن الدولة المصرية تمتلك الآن إرادة ثقافية موازية لإرادتها السياسية والعمرانية والإنسانية. فالمتحف الكبير ليس حدثًا سياحيًا فحسب، بل إعلانُ موقع جديد لمصر على خارطة الوعى الإنسانى، يتواكبُ مع اعتلاء البروفيسور المصرى «خالد العناني» صرح منظمة اليونسكو. فكما بنت مصر الأهراماتَ لتخاطب المطلق فى عمق الزمان، ها هى اليومَ تبنى متحفها الكبير لتخاطب عقل العالم الجمعى بروح حديثة عميقة الجذور.

حين زرتُ رأس «نفرتيتي» فى «متحف برلين» لأول مرّة، هالنى أن قاعةً ضخمة خُصِّصت بكامله أمتارها وحرّاسها وأبوابها ومتاريسها لرأس ملكة مصرية، اختلسها الألمانُ منّا فى لحظة غفلة. وكم كنتُ أرجو أن نستعيرها، ولو لبعض يومٍ، فى لحظة افتتاح متحفنا الكبير!

المتحف الكبير ردٌّ حضارى هادئ على فوضى العالم الراهن. فحين يتقاتل البشرُ على الخراب، تبنى مصرُ المعنى. المتحف الكبير كتابٌ سيغيّر علاقة الأجيال القادمة بحضارتها. كتابٌ تقول فيه مصر للعالم: «هنا وُلد الجمال، وهنا يتجدد».

arabstoday

GMT 02:16 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

للأقدار كلمة

GMT 10:35 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عناصر الفشل

GMT 10:34 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أخطار الحرب الإيرانية خليجيّاً

GMT 10:31 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نار لبنانية من دون تدفئة

GMT 10:29 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري

GMT 10:28 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

حرب أهلية تهدد أميركا ترمب

GMT 10:23 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع

GMT 10:07 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أوتاوا ــ واشنطن... توسيع الهامش لا كسر القواعد

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

توقيع «فاروق حسني» على جدارية التاريخ توقيع «فاروق حسني» على جدارية التاريخ



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 14:59 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق
 العرب اليوم - ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق

GMT 12:57 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عثمان ديمبلي على رادار الدوري السعودي بعد كأس العالم
 العرب اليوم - عثمان ديمبلي على رادار الدوري السعودي بعد كأس العالم

GMT 18:02 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روسيا تبدأ سحب قواتها من قاعدة جوية قرب القامشلي

GMT 14:51 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

جدل واسع بعد انتشار صور نتنياهو يغطي كاميرا هاتفه بشريط لاصق

GMT 11:32 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الكرملين يرفض التعليق حول أنباء عن مفاوضات بشأن تسليم الأسد

GMT 19:38 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

بروكسل تعتمد حظرًا كاملًا على الغاز الروسي

GMT 20:25 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر العراق من إعادة تنصيب نوري المالكي رئيسا للوزراء

GMT 08:10 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الذهب والفضة بالقرب من مستويات مرتفعة قياسية

GMT 08:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

غارة إسرائيلية تستهدف منزلاً في بلدة يارون اللبنانية

GMT 02:24 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ترامب يصعّد ضد سيول ويرفع الرسوم على سلع كوريا الجنوبية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab