«الجونة» وطنُ الجمال والفن

«الجونة»... وطنُ الجمال والفن

«الجونة»... وطنُ الجمال والفن

 العرب اليوم -

«الجونة» وطنُ الجمال والفن

بقلم : فاطمة ناعوت

حين فكَّر المهندس «سميح ساويرس» فى إنشاء مدينةٍ فى الصحراء، لم يشيّد منتجعًا سياحيًّا أنيقًا يُطلُّ على البحر الأحمر، بل رسم لوحة جمالية وحُجَّة أخلاقية وفلسفةً عمرانية وثقافية متكاملة: فأثمرت مدينةً مدهشة على شاطئ الوطن الشرقى تُدار بالفكر لا بالصدفة. مدينة تشبه «المدينة الفاضلة»، حيث تحوّل احترامُ القانون مع الوقت إلى ثقافة وأسلوب حياة فطرى وتلقائى وطبيعى. الضميرُ والأخلاق والتحضر والنظافة والذوق والهدوء هو «الكود» التى يحكم هذى المدينة. ليلُها لا يعرفُ الخوف، صباحها لا يعرف الضجيجٍ، شوارعها لا تعرف الفوضى ولا كسر قواعد المرور، وأرصفتها لا تعرف معنى إلقاء ورقة فى الطريق. الأهل آمنون على بناتهم لأن هذه المدينة نزعت من معجمها كلمة: «تحرش».

«الجونة» التى شيّدها حالمٌ جسور قبل ٣٥ عامًا، ليست حيّزًا عمرانيًّا وجغرافيًّا مدهشًا، بل «فلسفة» حيّة تقول إن الجمال ليس ترفًا، والنظام ليس قيدًا، والشعوب التى تهندس عمرانها بوسعها هندسة أخلاقها، لكى يتشكّل هذا «الكود» الساحر الذى يميز «الجونة» ونرجوه فى سائر بقاع الوطن. السلوك الرفيع ثقافة، واحترام القانون عادة، والتهذب هو اللغة الرسمية التى يفهمها الجميع دون ترجمة.

فى كلمته فى افتتاح الدورة الثامنة من «مهرجان الجونة السينمائى الدولى، قال المهندس «سميح ساويرس»: «لو كان أحدُهم أخبرنى قبل ٣٥ عامًا أن الجونة ستصير على ما هى عليه الآن، لكنتُ هربتُ ولم أبدأ أبدًا. لأننى كنتُ سأوقن بأنه المستحيل، والمستحيل لا يتحقق». ولكنه بالفعل قد حقق المستحيل، لأنه ببساطة آمن به. يقول «بولو كويلو» فى رواية «الخيميائى»: «إذا حَلُم الإنسانُ حُلمًا وآمن به، تآمر الكونُ من أجل تحقيقه». وتحقق الحلم الذى غُرِس فى رمال البحر الأحمر، فأنبت مدينة من الجمال والعمران والوعى، وتحوّلت المساحة الخالية إلى دُرّةٍ على جبين المقاصد السياحية، وصار المهرجان الفنى الذى يحمل اسمها وسامًا ترنو إليه السينما العربية والعالمية، لا لفخامته وضخامته وعالميته وحسب، بل كذلك لأنه رفع شعارًا يليق بالجمال: «سينما من أجل الإنسانية»، فصار مخرجو العالم وفنانوه ومنتجوه يبحثون فى قلوبهم عن ومضات الإنسانية لكى ينتجوا أفلامًا تسافر إلى مصر وتحظى بشرف المشاركة فى مهرجان الجونة السينمائى الدولى.

«الدورة الثامنة من المهرجان تزامنت مع الفرح بوقف الحرب على فلسطين، على عكس العام الماضى حيث كان الحزنُ على أشقائنا فى غزّة يخيّم على الوجوه»، هكذا بدأ المهندس «نجيب ساويرس» كلمتَه فى حفل الافتتاح الذى كان مشرقًا بالفن الرفيع والجمال والأناقة كعادة جميع الدورات السابقة لمهرجان وُلد بدرًا، ولم يمرّ بعُسر البدايات، عكس جميع مهرجانات العالم الفنية؛ لأنه يُدار برؤية علمية جادة، وبعشق حقيقى للوطن، وشغف برفع رايته فى أرجاء الأرض. ومنذ عامه الأول، نجح فى وضع اسمه على خريطة المهرجانات الكبرى، فاستضاف أفلامًا حصدت جوائز فى «برلين» و«صن- دانس» و«لوكارنو»، لكن يظل لجائزة مهرجان الجونة مذاق مختلف، أشهى وأجمل، يحمل دفء الشرق، وروح المصريين الحلوة، ولمسة من شغف التقاء الصحراء بالبحر.

ما يميّز مهرجان الجونة أنّه لا يقلّد أحدًا. فلا هو نسخة من «كان» ولا هو ظلّ لـ«فينيسيا». هو مهرجان مصرىّ المذاق، عالمىّ الأداء، يمتلك شخصيّته المستقلة وهويّته البصرية المبهرة. لهذا يحلم جميع فنانى العالم بالخَطو على سجادته الحمراء.

فى كل دورة من مهرجان الجونة السينمائى، تتكرّس مصرُ مركزًا للفنّون الرفيعة، ونقطةَ التقاء بين الشرق والغرب. وفى هذى الدورة، التى بدأت يوم ١٦ أكتوبر وتستمر حتى يوم ٢٤ منه، يشارك سبعون فيلمًا من القارات الخمس، إلى جوار الندوات والحوارات وورش العمل وغيرها من الفعاليات الجميلة التى لا تتوقف على مدى أسبوع المهرجان.

احتفلت هذه الدورة بخمسين عامًا من السينما للنجمة الجميلة «يسرا» بتدشين معرض لصور نادرة من أفلامها، واحتفلت بالمخرج العبقرى «يوسف شاهين» بإنشاء ماكيت قطار حقيقى بالحجم الطبيعى استلهمها من فيلم «باب الحديد»، داخله تُعرض أفلام هذا المخرج الفز.

مهرجان الجونة مشغولٌ بالأفلام الإنسانية التى تنتصر للفقراء والكادحين والمرأة المعيلة وأطفال الشوارع؛ لأن المثقف الحقيقى يدرك أن الدراما بوسعها أن تغيّر العقلَ الجمعى وتعيد تشكيل المجتمعات، بل تعيد صياغة القانون ليغدو أكثر رأفة ورحمة بذوى العوز، مثلما فعلت رواية «البؤساء فى فرنسا»، وفيلم «جعلونى مجرمًا» من إخراج «عاطف سالم»، ومثلما لخص فيلم «البداية» للعظيم «صلاح أبوسيف» فكرة الرأسمالية المتوحشة، ومثلما لخص فيلم «الزوجة الثانية» فكرة القهر وخداع البسطاء، إلى آخر قائمة الدراما العظيمة التى أثرت فى الشعوب وغيرت فى جوهرها الفكرى والحضارى.

كل عام و«الجونة» مشرقة، ومهرجانها السينمائى تاج على جبين وطن الجمال والفن.

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الجونة» وطنُ الجمال والفن «الجونة» وطنُ الجمال والفن



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 08:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير
 العرب اليوم - محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 20:38 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

مصر تضبط عالم الأطفال الرقمي بقانون جديد

GMT 08:42 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

قوة إسرائيلية تتوغل داخل الأراضي اللبنانية

GMT 12:01 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

باريس هيلتون تخرج عن صمتها الطويل حيال فيلمها الفاضح

GMT 12:18 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستكمل فيلم "نصيب" عقب عيد الفطر

GMT 22:16 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

رين يضم سيباستيان شيمانسكي بعقد يمتد حتى 2029

GMT 09:14 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف مناطق متفرقة في قطاع غزة

GMT 08:50 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مستشفى في الخرطوم بحري يعود إلى العمل بعدما دمرته الحرب

GMT 08:54 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

الدولار يتجه لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي في 7 أشهر

GMT 09:10 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

طائرة تقل 238 راكبا أرسلت إشارة استغاثة فوق الصين
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab