بقلم : فاطمة ناعوت
«الجسد» فى الفكر الصوفى، ليس إلا حجابًا أو ساترًا تختفى وراءه الروح. لهذا تقول الجميلة «مريم شريف»، بطلة فيلم «سنووايت»: «أنا محبوسة فى الجسم ده! وعمرى ما شوفت نفسى قزمة».
فيلم جميل، من إخراج «تغريد أبو الحسن»، تعرضُه الآن منصّة «شاهد»، عن قصار القامة، والمرآة الزائفة التى ننظر من خلالها للآخر، فنحكم عليه، ونتنمّر عليه، ونُزيد حياتَه شقاءً فوق شقاء. «سنووايت» المصرية معكوسٌ لشخصية «ديزنى» الشهيرة «سنووايت والأقزام السبعة». بطلتُنا الجميلة غادرت الفستان الشهير الأصفر-الأزرق الذى يسكنه جسدُها الممشوق، وسكنت جسدًا صغيرًا «منيون»، بدلا من أصدقائها السبعة. الفيلم لا يقدم لنا سينما ترفيهية أو حكايا أطفال، بل هو وثيقةٌ فلسفية إنسانية رفيعة تحاول تفكيك عقدة «الكمال الجسدى»، وتعيد تعريف مفهوم: «الجمال»، بالمعنى الأعمق. لسنا أمام أميرة تنتظر «قُبلةَ الأمير» لتستيقظ، بل أمام «روح» يقظة تحاول إيقاظ مجتمعٍ غارق فى سُبات السطحية والشكلانية.
من المنظور الفلسفى، يطرح الفيلم تساؤلاً وجوديًّا: أين يكمن المركزُ؟ هل المركز فى «المرآة» التى تعكس معاييرَ المجتمع الوهمية للجمال؟ أم فى «القلب» الذى يرى ما لا تراه الأبصار؟ «الأقزامُ» فى هذه الرؤية هم «العمالقةُ» الحقيقيون؛ لأنهم تجاوزوا عقدةَ النقص المفروضة قسرًا؛ ليعيشوا حقيقتهم عاريةً من الزيف. هنا يقول مولانا «جلال الدين الرومى»: «النورُ فى العين انعكاسٌ لنور القلب، ونورُ القلب مستمدٌ من نور الله».
أخبار متعلقة
no image
«بسمة موسى».. المقاتلةُ بابتسامة
no image
العقلُ... والثوب!
no image
ليتكَ شقيقى يا «إبراهيم»!
يبدأُ الفيلمُ بمعاناة البطلة فى صعود السُّلّم، لأن «قائمة» الدَّرج (١٥ سم) مُصّممة لإنسان يجاوز طولُه الـ١٦٠ سم. ركز الفيلم فى البداية على طرح «بعض» المصاعب والمُعسرات التى تواجه قصارَ القامة فى كل تفصيلة من تفاصيل يومهم، يتجاوزونها بكل إصرار وتحدٍّ. لأن مشكلتهم ليست فى الصعوبات التى فرضها الجسدُ الصغير، إنما المعاناة الحقيقة فى «الآخر»، «الإنسان». الإنسان «قصير الروح» ناقص الوعى الذى لم يتعلم كيف يتعامل مع «الاختلاف»، بوصفه قانونَ الحياة ومشيئة الله فى خلقه. فكما خلق الله تعالى الزهورَ بجميع ما يخطر على بالك من ألوان، خلق البشرَ على هذا التنوع المدهش الذى يُثرى لوحة الوجود، لكى نتعارف ونتحابّ ونحترم اختلافنا.
نجحت «مريم شريف»، بملامحها التى تمزج بين البراءة والحُسن والصلابة، فى أن تكون الجسرَ بين العالمين: «سنووايت، والأقزام السبعة».
الجميلُ أن الفيلم لم يقدّم «إيمان» كضحية، ولا كبطلة خارقة. بل كفتاة عادية لها أحلامها وخذلانها، ترتبك، وتخطئ وتُخفى وتكذب. ورغم معاناتها مع التنمّر على قصر قامتها، تنمّرت بدورها على زملائها القصار، ورفضت مَن أحبها بشغف. وحين سألها: «لماذا ترفضيننى؟» أجابته ببساطة وقسوة: «لأنك قزم!»، ولما ذكّرها بتهذّب بأنها مثله، قالت بهدوء: «أنا مش شايفة نفسى قزمة». وتركته ومضت، لتلحق بفتى أحلامها: الفنان «كريم فهمى»، والتشات فى برامج الإنترنت مع الحبيب المسافر الذى أوهمته أنها طويلة.
لجوؤها إلى العالم الافتراضى لم يكن هروبًا من الواقع، بقدر ما كان محاولة للنجاة منه. فى الفضاء الرقمى، يمكن للروح أن تتقدّم خطوةً عن الجسد. يمكن للصوت أن يُسمع دون أن يرسم أبعاد الجسد. هنا، يلمس الفيلمُ منطقةً صوفيةً خفيّة: التوقُ إلى التجرّد، إلى أن تُرى الذاتُ دون قشور. وتأتى لحظةُ المواجهة المباشرة بين الحبيبين: الجميلة «مريم شريف»، والجميل «محمد ممدوح». اللحظة التى سيكتشفُ فيها الحبيب أن معشوقته ليس فارعة الطول كما ظلَّ يظن على مدى الشهور. هنا أوقفتُ الفيلمَ وظللتُ أدعو فى سِرى: «لا تخذلنى يا صديقى بحق الله!»، وبعد ربع ساعة أعدتُ تشغيل الفيلم، وكانت الصدمة!
رفضَ الحبيبُ حبيبتَه لأنها أقلُّ بضعة سنتيمترات عن الصورة النمطية للموديل الذى تخيّله! هنا غضبتُ. وفى غضبى شهادةُ إقرار بالواقع المرير الذى نعيشه، وشهادةُ أصالة للفيلم الذى لم يحاول مغازلة مشاعرنا وأحلامنا، بل نجح فى رفع «مرآة ميدوزا» أمام وجوهنا لكى نرى دمامةَ عقولنا وقِصَرَ نظر عيوننا التى تقفُ عند الخطوط الخارجية للجسد، فتحجبُ عنّا رؤية الروح. كسر الحبيبُ خاطرَنا وخاطرَ الحبيبة رغم قولها: «أنا هى هى حبيبتك. أنا بس محبوسة فى الجسم ده!»، لكنه كان فظًّا غليظَ القلب، كفظاظة وغلاظة قلب مجتمعٍ لم يتعلم بعد ثقافةَ التنوع وثراءَ ألا نشبه بعضنا بعضًا. المأساة ليست فى الاختلاف، فهو ثراء، بل فى نظرة الجمع إلى الاختلاف بوصفه خللا، لا غِنًى وجمالا.
«سنووايت» لا يستخدمُ «قصارَ القامة» كمفارقة بصرية، والكاميرا لا تنحنى لهم، ولا تعلو عليهم، بل تقف فى مستوى العين، كأنها تتعلّم بدورها كيف ترى باحترام. الفيلم تمرينٌ روحى على التثقّف والتحضّر، والتأمّل: مادامت الأقدارُ تُوزَّع على نحو متفاوت، لماذا نُصرُّ نحن البشرَ على مضاعفة المعاناة بدل محوها؟ شكرًا لصنّاع هذا الفيلم الجميل.