مرّت سنة على تولّي دونالد ترامب قيادة أقوى قوّةٍ عسكريّةٍ واقتصاديّةٍ وتكنولوجيّةٍ في العالم. خلال هذه السنة فرض نفسه شخصيّاً طرفاً مباشراً في كلّ القضايا الملتهبة، فأينما تيمّم وجهك تجده أمامك. إن رأى أنّ حضوره في أزمةٍ ما ويتطلّب أن يكون وسيطاً… يفعل، وإن تطلّب أن يكون طرفاً منحازاً… لا يتردّد، وإن احتاج إلى التهديد المباشر باستخدام القوّة العسكريّة الجبّارة التي تمتلكها دولته العظمى… فيده على الزناد، وإن احتاج إلى عمليّةٍ هوليووديّة كما فعل مع نيكولاس مادورو… فليكن، ولا يتردّد في تقديمها للعالم نموذجاً يمكن أو حتّى يجب أن يتكرّر في أيّ وقتٍ ومكانٍ ومع أيّ زعيم.
في ولايته الأولى حاول فرض مدرسته هذه، لكن قُطع طريقه بإسقاطه. حاول أن يشاغب بأن فعل ما لم يجرؤ غيره على فعله، وهو التشكُّك في نزاهة الانتخابات، وادّعاء تزويرها على نحو صريح، وتوجيه أنصاره لاقتحام الكونغرس والمجاهرة بأنّه سيفعل ما لم يفعله غيره بأن يعود إلى معترك الانتخابات بعد نجاحٍ وفشلٍ ثمّ نجاح.
المزاج الأميركيّ المتقلّب والانفعاليّ، إضافةً إلى شيخوخة منافسه الديمقراطيّ جو بايدن، وفّرا له تفوّقاً انتخابيّاً نادراً أعاده إلى البيت الأبيض بتصويتٍ شعبيٍّ قياسيّ ليفعل ما حُرم فعله ودفعةً واحدة. حازت هذه الولاية، التي يسعى إلى أن لا تكون الأخيرة، صفةً غير مسبوقةٍ إلّا في الحروب الكونيّة، مفادها أنّ كلّ فردٍ من ساكني المعمورة يشعر بالخوف منه ومن نزواته وطريقته في استخدام القوّة حتّى لو اقتصر الأمر على التلويح بها وحسب.
يوجّه المتظاهرين بالرّيموت
حبس أهل الشرق الأوسط دولاً وشعوباً أنفاسهم وهم يشاهدون حاملات الطائرات العملاقة تجتاح بحارهم. بينما كانت شوارع إيران تغصّ بالمتظاهرين المناوئين للنظام، اشترك الرئيس ترامب في التظاهرات على طريقته الخاصّة، بفعل ولعه في إثبات حضوره الطاغي في أيّ حدث، وطالب المتظاهرين بالاستمرار والتصعيد، وكأنّه يوجّههم بالريموت، وحين كان يُنقل إليه ما يفيد بأنّ التظاهرات هدأت قليلاً، كان يعِد المتظاهرين بأنّه في الطريق إليهم.
يتباهى دونالد ترامب بقوّته على الحلفاء التقليديّين مثلما يفعل مع أوروبا وحلف الناتو، ويموّه على ضعفه أمام منافسيه الأقوياء
حين لم يتمكّن المتظاهرون من اجتياح حصون نظام الملالي، وجد عقلاء ينبّهونه إلى أنّ الحكاية ليست إسقاط نظامٍ بتظاهرة أو بعملٍ عسكريّ وحسب، بل ماذا سيحلّ بإيران والمنطقة إذا ما وقعت الحرب؟ وما ستخلّف من فوضى واشتعالٍ وخروجٍ عن السيطرة؟
ترامب
لأنّه يعتبر نفسه مركز الكون، ويحرص كثيراً على صورته في هذا الإطار، يجد سبباً لحضوره، وفي الوقت ذاته يجد سبباً لانسحابه، وفي حالتَي الكرّ والفرّ يعتبر نفسه رابحاً.
لقد أحاط ترامب نفسه بطاقمٍ مطيعٍ وعلى مقاسه، مؤلّفٍ من أركان الدولة الأساسيّين، وتوافرت له أغلبيّةٌ برلمانيّةٌ في مجلسَيْ صنع القرار، الشيوخ والنوّاب، ومع أنّهم يعرفون مثالبه يحتاجون إلى زعامته في تنافسهم التقليديّ مع الخصم الديمقراطيّ.
يتباهى دونالد ترامب بقوّته على الحلفاء التقليديّين مثلما يفعل مع أوروبا وحلف الناتو، ويموّه على ضعفه أمام منافسيه الأقوياء مثلما فعل مع الصين في الحرب الاقتصاديّة التي أعلنها عليها أكثر من مرّة وتراجع عنها أكثر من مرّةٍ أيضاً.
شراكة القويّ على الواجب الأخلاقيّ
مع روسيا ضغط على جرح أوكرانيا النازف بقوّة، مذكّراً الدولة الأوروبيّة المعرّضة للتفكّك وفقدان الأرض والسيادة، ومكوّنات الدولة الحقيقيّة، بأنّها دولةٌ فاسدة، وليس أمامها سوى التحلّي بواقعيّة الاستسلام، وذلك بعدما ضمن حصوله على كلّ ما دفع من خلال التنازل له عن ثرواتها التي في باطن الأرض، وما سيبقى لها من ثرواتٍ فوقها. فضّل شراكة القويّ على الواجب الأخلاقيّ والتاريخيّ إزاء الحليف.
مرّت سنة على تولّي دونالد ترامب قيادة أقوى قوّةٍ عسكريّةٍ واقتصاديّةٍ وتكنولوجيّةٍ في العالم
الرئيس ترامب نموذجٌ زعاميٌّ متفرّد، وإذا كان غيره من رؤساء أميركا، سواء الضعفاء منهم أو الأقوياء، أداروا سياسة الدولة العظمى باتّجاهٍ صحيحٍ أو خاطئ أو باتّجاهٍ حربيٍّ أو استخباريٍّ أو سياسيّ، إلّا أنّهم كانوا يديرون لعبتهم الكونيّة وأوراقهم المغطّاة أكثر بكثيرٍ من المكشوفة. كانوا يمارسون قوّة الولايات المتّحدة فعلاً بأقلّ قدرٍ من ازدراء الحلفاء وابتزازهم وتوجيه الإهانات الصريحة لهم.
لم يسبق لرئيسٍ أميركيّ أن قال إنّ الخندق الاستراتيجيّ الأماميّ لأميركا والغرب، الذي هو حلف الناتو، لا لزوم له وفواتيره زادت على الحدّ، وإنّ على أوروبا أن تسددّ ما عليها لقاء حمايتها. ولم يسبق لأيّ رئيسٍ أن عرض ضمّ كندا ذات المساحة القارّيّة، وكأنّها جزيرةٌ مجاورة كغرينلاند مثلاً.
افتراس الأمم المتّحدة
لم يُخفِ الرئيس ترامب رغبته الشخصيّة في تغيير النظام الدوليّ بافتراس الأمم المتّحدة، وتنصيب مجلس السلام الذي أسّسه كما تؤسَّس الشركات، بديلاً عنها، متجاهلاً أنّ المجلس الذي يضمّ عشرات الدول لن يتواطأ معه في مسألة تغيير النظام الدوليّ، بل قبِل دعوته من دون الالتزام بتسديد الاشتراكات للاستفادة فقط من نفوذه على إسرائيل لإنهاء الحرب على غزّة وليس أكثر من ذلك.
يلعب الرئيس ترامب أوراقه مكشوفةً تماماً، مع هول الضجيج والخوف والتخويف، وما ينقصه بعد كلّ ذلك وعيٌ عمليٌّ لمعادلة فائض القوّة والقدرة على تقرير المصائر. وفي تاريخها الحديث دخلت أميركا العظمى اختباراتٍ جدّيةٍ في هذا المجال، في فيتنام قديماً وفي أفغانستان حديثاً.
لم تحسَم معادلة فائض القوّة في هاتين الحربين الكبيرتين، وبالتأكيد لن تحسَم قريباً في الحرب الراهنة على مصير العالم.