ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ

ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!

ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!

 العرب اليوم -

ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ

بقلم : فاطمة ناعوت

عنوانُ المقال من كلمة الرئيس «السيسى» فى احتفالات عيد الشرطة: «ليتنا نكون مسلمين ومسيحيين صادقين وشرفاءَ نُتقن العمل ونحب الوطن!» وقال إن الدولة تقف على مسافة متساوية من جميع العقائد، وحتى مَن فاتته معرفةُ الله، له كاملُ الاحترام من دولته. وتلك بديهةٌ. فالدولة لا تُصلّى، بل تحمى حقَّ الصلاة. الدولةُ لا تؤمنُ، بل تحمى حقَّ الإيمان، وحقَّ عدمه كذلك. بكل بساطة: السماءُ لله، والأرضُ والدول للعدل، والعمل، والعقل.

هذه البديهيات التى يقولها الرئيسُ منذ بداية حكمه قولا وفعلا، هى ما يقوله المستنيرون منذ دهور. وهو ذاتُ الكلام الذى بُحَّ صوتى ونفد مدادُ قلمى وأنا أردده منذ ربع قرن فى كتبى ومقالاتى ولقاءاتى، فما كان نصيبى إلا التكفيرُ، والاغتيالُ الأدبى والمعنوى، والملاحقات القضائية والحكم بالسجن، والاغترابُ عن وطنى، والإقصاء، والحرمانُ من حقوقى الأدبية!! تلك البديهياتُ يُدركها أى طفل فى الدول المتحضرة التى استثمرت فى تعليم أبنائها بحق. من العيب ومن العجب أن نظلَّ نكررها كأنها ابتكاراتٌ تُدهشنا حين نسمعها. وبدلا من أن تأخذ مساحتَها على أرض التنفيذ، ونتجاوزها للأرقى فنبتكر وننتج ونخترع ونبدع، نصحو فى اليوم التالى لنعيد ترديدها، ونستعيد الدهشة منها من جديد، ثم ننساها!

ما قاله الرئيسُ السيسى حول حقوق المواطنة وحرية العقيدة، وما نقولُه منذ عرفنا الكلام، هو بالضبط مفهوم «الدولة المدنية»، والتعريف الأصدق للعلمانية. «العلمانية»، التى ما زال اسمُها يُثير الهلعَ فى عقول البسطاء، بعدما شيطنَها الكذبةُ الأفاقون، ليست إلحادًا، ولا حربًا على الدين، بل هى تحريرٌ للدين من السُّلطة، وتحريرٌ للإنسان من الوصاية. «العلمانية» هى أن يستقرَّ الإيمانُ فى القلب، ويعلو القانونُ فى المجال العام، ويُقاس البشرُ بأفعالهم وإنجازاتهم، لا بانتماءاتهم العَقَدية. الدولة المدنية والعلمانية، ليستا بدعة غربية، ولا مؤامرة على الإيمان، كما يظن البسطاءُ الذين تشوّهت معارفُهم بفعل الأدعياء المخادعين، بل هما ضرورةٌ تاريخية حين تتعدد الأديانُ، وتتشابك المصائرُ، ويصبح العيشُ المشترك مسألةَ بقاءٍ لا ترفًا فكريًّا. ببساطة: أن يتسيَّدَ القانونُ فى المجال العام، وأن تظلَّ العقيدة شأنًا حرًّا فى المجال الخاص. لهذا قال الفيلسوف الإنجليزى «جون لوك»: «الدولة لا شأن لها بخلاص الأرواح، بل بحفظ الحقوق المدنية». وتلك قاعدةُ بناء مجتمع قابل للحياة.

تلك بديهياتٌ لم يعُدِ العالمُ يناقشها، لا فى العالم الأول، ولا فى معظم الدول العربية. فقط فى مصر مازلنا نلوكها عامًا بعد عام وعقدًا بعد عقد. لماذا؟ لأن بمصرَ مَن يريد لها أن تظل تدور حول نفسها ولا تتقدم. أنا مسلمةٌ؛ لكن إسلامى علاقةٌ شخصية بينى وبين خالقى، لا بطاقةَ تعريفٍ ولا سلاحًا ألوّحُ به فى وجه الآخرين. والمسيحى كذلك، واليهودى، والبهائى، والبوذى، والكونفوشيوسى والطاوى والهندوسى، واللادينى واللاأدرى والملحد. جميعهم، بلا استثناء، مواطنون فى دولهم؛ لهم كاملُ الحقوق وعليهم كاملُ الواجبات. هل تراه كلامًا بديهيًّا يا عزيزى القارئ المثقف؟ نعم هو كذلك. ولماذا نكتبه مادام بديهيًّا؟ لأننا يا عزيزى مكتوبٌ علينا أن نقضى أعمارَنا فى قول البديهيات، مادامت تثيرُ الدهشة، ولم تتحول بعد إلى واقعٍ حى نعيشه ببساطة ودون عنت! فى الدول التى سبقتنا حضاريًا، وفى الخليج وعديد الدول العربية، يُعدُّ سؤال: «ما دينك؟» تعدّيًا فجًّا على الخصوصية، وقد يُعرّض السائلَ للمساءلة القانونية. أما عندنا، فما زال السؤال يُطرح بتبجح وبلا خجل، وكأن الدين جوازُ مرور اجتماعى، لا شأنٌ روحى! ومازال المفكرون يلاحَقون ويُسجنون دون جريرة!

والقرآنُ الكريمُ ذاتُه حسمَ المسألة، بلا مواربة: «لا إكراه فى الدين». هذه ليست آية تسامح عاطفى، بل مبدأ فلسفى صارم، ينفى عن الإنسان حقَّ السيطرة على ضمير إنسان آخر. فأى دولة، وأى جماعة، وأى فرد، يملك بعد ذلك حقَّ التأله على الله، والتفتيش فى القلوب؟!

فقط فى بلادنا، تحوّلت سوشيال ميديا إلى ساحات قتال، لا إبداع. شتائمُ بدل القصائد، تكفيرٌ بدل اللوحات، تنمّر وبذاءات بدل الأفكار والابتكارات. بينما العالمُ من حولنا يتقدّم ويخترع، يبتكر ويعالج الأمراض، ويرتقى سُلّمَ الحضارة، بلا التفات إلينا!

لسنا بحاجة إلى إعادة تعريف المُعرَّف، بل إلى شجاعة التطبيق. أن نفهم أن الدولة لا تُدخل الجنة ولا النار، وأن حساب الضمائر ليس من اختصاص الحكومات والجماعات والبشر، بل شأنُ الله وحده. وبحجم ما نُحرّرُ الإيمانَ من السُّلطة، ونُحرّر السُّلطةَ من الإيمان، نُنقذ الاثنين معًا: نحمى الدينَ من الابتذال، ونحمى الدولةَ من الانهيار. ليتنا نكون صادقين وشرفاءَ فعلًا، لا شعارًا. ليتنا نُتقن العملَ لا الوعظ والوصاية. ليتنا نحبُّ الوطن بما نُنتجه له، لا بما نزايد به عليه. فالأوطان لا تُبنى بالتكفير والوصاية، بل بالعمل والإبداع.

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 08:07 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

مقتل 11 جنديًا سوريًا بواسطة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"

GMT 07:59 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

3 شهداء جراء استهداف الاحتلال لسيارة طاقم إعلامي وسط غزة

GMT 08:03 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يعترض طائرة مسيرة تحمل 10 أسلحة نارية

GMT 19:20 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترمب يؤكد رفض استخدام القوة في ملف غرينلاند خلال خطاب دافوس

GMT 08:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

تعرض الفنان عبد العزيز مخيون لوعكة صحية ونقله للمستشفى

GMT 09:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الطقس السيئ يودي بحياة بحياة شخصين في اليونان

GMT 09:37 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab