مَن علّمَ الفتى أن يكره

مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!

مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!

 العرب اليوم -

مَن علّمَ الفتى أن يكره

بقلم : فاطمة ناعوت

الكلماتُ لا تولد يتيمةً. لكلِّ كلمة نابية أمٌّ خَفيَّة، ولكلِّ كراهية مُعلمٌ جهولٌ مجهول. بعد مشاهدتى فيديو الفتى المتبجّح الذى تطاول على أقباط مصر المسيحيين بكلامٍ رخيصٍ يعِفُّ قلمى عن ذكره، وتوعّد بإيذائهم فى الطريق و«مساواة وجوههم بالأسفلت»، طفرَ فى عقلى سؤالٌ: «مَن علّم مثل هذا الفتى أن يكره؟ مَن شحن قاعَه بكل هذه الغلاظة؟» والأخطر: «مِن أين جاء بتلك الجرأة فى إعلان الإرهاب أمام الكاميرات دون مواربة أو خوف؟»، أىُّ درسٍ ناقصٍ فى التاريخ جعله ينسى أن هذا الوطن لم يُبنَ بطائفةٍ واحدة، بل بقلوبٍ شتى خفقت فوق أرضٍ واحدة؟ وأىُّ كلماتٍ سامّة سمعها فى طفولته رسّخت فى ذهنه أن أبناء الأرض غرباءُ يُعيّرون، أو خصومٌ يُهدّدون، أو ضيوفٌ يُمّنُّ عليهم؟!

الكراهيةُ لا تغزو القلوبَ فجأةً. بل تنمو ببطء، مثل شقٍّ صغير فى جدارٍ. تبدأ ربما بنكتةٍ ثقيلة الظلّ، أو عبارةٍ جهول تُقال على منبرٍ أو مجلسٍ، فتتسلل الفكرةُ إلى الوعى مثل دودة سامة ترعى داخل العقل وتتضخم حتى تغدو حيّة رقطاء تنهشُ الجسد وتنفثُ سمومَها فى جنبات الوطن.

هذا الفتى الذى أطلق حمم البلطجة فى وجوهنا، هو «إرهابى تحت التمرين» بدليل حيازته لأسلحة بيضاء حرّزتها الشرطة، لكنه كذلك «ضحية» المُحرّضين الذين يملأون الصفحات تطرفًا وغثاءً، ولهم أتباع بالملايين من الممسوحة عقولهم، وللأسف لا يقعون تحت طائلة القانون. المُحرّض يُلقِّمُ ضحاياه «درس البغضاء»، لُقيمةً لُقيمةً. وتمضى السنواتُ فتتصلّب الفكرةُ الخبيثة فى أمعاء الضحية، وتتضخم مثل ورم سرطانى، حتى يجىء يومٌ يظن فيه المبطونُ أن من حقه أن يرفع صوته ويتباهى بتهديد الناس أمام كاميرا موبايله، فيقع فى قبضة القانون. وأما المحرضون من أدعياء الدين، فهم آمنون خلف الشاشات لا يتوقفون عن نفث سمومهم، وبالطبع سيتبرأون من ضحاياهم، أمثال هذا الفتى الجهول.

مَن المسؤول عن تغييب «درس التاريخ» عن وعى هذا الفتى وأمثاله؟ كيف فاته أن يتعلّم أن أقباطَ مصرَ ليسوا ضيوفًا هبطوا عليها بليلٍ، بل أصحابُ أرض وأبناءُ تاريخٍ عريق، تضرب جذوره فى تربة هذا الوطن منذ آلاف السنين؟ مَن فوّت عليهم إدراك أن كلمة «قبطى» اشتقاقٌ لغوىٌّ من كلمة «جبت»، التى صارت باليونانية Aigyptios وتعنى: «المصرى»، ومنها جاءت كلمة Egypt؟! لو عرف الفتى ذلك مبكرًا، ما خطر بباله أن يهين أقباط مصر الشرفاء.

جرأةُ شابٍّ أن يتوعّدَ مواطنين مصريين بأن «يُسوّى وجوهَهم بالأسفلت» ليست زلّة لسانٍ، ولا نزقًا رقيعًا فى فيديو يبحث عن «الترند». بل هى عَرَضٌ لمرضٍ خطير تسلّل إلى الوعى الجمعى حين اختلط الجهلُ بالتاريخ، بخطاب دينى إقصائى متشنّج، بثقافة رقمية تُكافئ «الاستعراض» مهما كان قبيحًا أو عنيفًا. فالعبارة التى قالها ذلك الفتى، مهما اعتذر لاحقًا وتوسّل، لا تنبتُ من فراغ. للكلمات تُربةٌ تخصّبت فيها، وهذه التربة هى ما ينبغى تشريحه. فخطابُ الكراهية لا يولد فجأة فى قلب شابٍ فى العشرينيات. بل هو نتاج تراكم طويل من مفاهيمَ خاطئةٍ تُزرع فى الوعى منذ الطفولة، وتُسقى مع السنوات، حتى تتوحشَ أشجارُ الزقّوم. حين يسمع الطفل، فى بعض المنابر أو الدروس والأحاديث اليومية، خطابًا يُقسّمُ المجتمعَ إلى «نحن» و«هم»، يبدأ تدريجيًا فى النظر إلى شريك الوطن باعتباره كائنًا غريبًا، لا مواطنًا كامل الحقوق والواجبات. ومع الزمن تتحوّل هذه الثنائية الخطيرة إلى شعور زائف بالتفوّق، ووهم امتلاك الحق فى الوصاية.

لو تعلّم كلُّ طفلٍ هذى الحقائق البسيطة، لنضج الوعى العام وترقّى. لو تعلّم التلميذُ فى مدرسته أن «الكنيسة القبطية» امتدادٌ طبيعى لتاريخ مصر، وأن الأقباط متنُ نسيج هذا الوطن قبل الإسلام وبعده، لما نشأ فى ذهنه ذلك الالتباس الخطير الذى يجعل بعض الشباب يتعاملون مع شركاء الوطن وكأنهم وافدون!

المشكلة إذن ليست وحسب فى فتى أرعن نشر فيديو تحريضيًّا على «تيك توك»، بل فى البيئة الفكرية التى سمحت بأن تبدو كلماته ممكنة. هنا يظهر دورُ خطاب دينى متشدّد لا يزال يغذّى فكرة التمييز بين المواطنين. هذا الخطاب، حتى حين لا يدعو إلى العنف صراحةً، قد يزرع فى النفوس شعورًا بالاستعلاء والتمايز، وهو شعور كافٍ لفتح الباب أمام الكراهية والفتن.

الردعُ الحقيقى لمثل هذى الآفات يبدأ من خطاب دينى مستنير يؤكد أن المواطنة والكرامة حقٌّ أصيل لكل مصرى، وأن مصرَ بلد الكنائس والمآذن لا تُفصم عُراها. شكرًا لوزارة الداخلية على سرعة التحرك، وشكرًا للشعب المصرى المثقف، مسلمين ومسيحيين، الذى رفض هذا السلوك المشين وأبدى استياءه من خطاب الكراهية. وليكن هذا درسًا لكل من تسوّل له نفسًه محاولةَ التطاول على وجه مصر، أو العبث بوحدتها.

arabstoday

GMT 03:30 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

الطبعة المسائية

GMT 03:26 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

ترامب فى قبضة الشيطان

GMT 03:21 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

اللون الأزرق والتوحد

GMT 03:20 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

إفطار جمعية الإعلاميين!

GMT 03:18 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

اعتذار الصواريخ رسالة تهدئة أم مناورة؟

GMT 03:17 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

كراهية البشر والحجر

GMT 03:15 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

(فرصة أخيرة) ولماذا حذف اسمى «حميدة ولطفى»؟!

GMT 03:14 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

ترامب يتحسس مقعده

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مَن علّمَ الفتى أن يكره مَن علّمَ الفتى أن يكره



نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab