الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا

الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا

الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا

 العرب اليوم -

الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا

بقلم : جمعة بوكليب

يرى الكاتب الأميركي جيمس بالدوين أنه: «لا أحدَ يعرفُ بدقة كيف تُصاغ الهُويّات، ولكن من الآمن القول إن الهُويّات لا تُخترع. يبدو أن الهُويّة تُكتسب بالطريقة التي يُواجه بها الشخص تجاربه ويستخدمها. إنّها عملية طويلة الأمد ومربكة ومحرجة إلى حد ما».

إذا كانت الهُوّية الفردية تتشكل عبر تراكم التجارب الشخصية، فإن الهُوّية الجمعية بدورها هي نتاج عملية بناء معرفي وعاطفي مشترك بين الجماعة، يتم بلورته عبر التاريخ والذاكرة المشتركة.

وعلى الساحة الدولية تُصبح هذه الهُوّيات الجمعية قوى محركة للصراعات، كما هي الحال في الأزمة الأوكرانية الروسية، التي تتحدد إشكاليتها الكبرى في تقاطع مفهومي الهُويّة والسيادة، مع مفهوم الأمن القومي الروسي.

فالهُويّة الجمعية، يقول أهل الاختصاص، هي ما يحدد الحدود الداخلية لأمة ولشعب ويصوغ «النحن» الوطني. بعد استقلال أوكرانيا عام 1991، بدأت البلاد في عملية طويلة ومعقدة للتحرر الهُويّاتي عن روسيا، وهو ما يتماشى مع تعريف بالدوين أعلاه للهُوّية المكتسبة عبر التجارب. هذا التحرر لم يكن يهدف إلى إنكار التراث المشترك بالكامل، بل إلى تأسيس سردية وطنية تتمحور حول التاريخ الأوكراني المستقل، واللغة الأوكرانية، والرموز الثقافية المتميّزة. وكان ذلك الدافع المحفّز وراء استقلال الكنيسة الأوكرانية عن نظيرتها الروسية في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018.

إلا أن عملية التحرر الهُويّاتي الأوكرانية هذه واجهت تحدّياً مضاعفاً. فعلى المستوى الأوكراني الداخلي، تتميز أوكرانيا بكونها دولة متعددة المكونات، خصوصاً في الشرق والجنوب حيث تحتفظ قطاعات واسعة من السكان بروابط ثقافية ولغوية قوية مع روسيا. وقد شكّل هذا التنوع نقطة ارتكاز للسياسة الروسية الخارجية التي رفضت أي توجه أوكراني لتكوين هُويّة منفصلة، معتبرة البلاد جزءاً من الفضاء الحضاري والتاريخي الروسي. وبناءً على ذلك، أصبحت هذه الروابط المُستغَلّة ذريعة متكررة لتبرير التدخلات العسكرية الروسية بدعوى حماية الناطقين بالروسية، مما حوّل السعي إلى تأسيس هُوّية وطنية أوكرانية إلى أداة محتملة لتقويض استقلال أوكرانيا.

أما إشكالية السيادة فتعدُّ العامل الثاني في تقويض الاستقلال الأوكراني وحق أوكرانيا في تقرير الطريق الذي ستختاره. ذلك أن أوكرانيا المستقلة، خصوصاً بعد انتخاب الرئيس الحالي فولوديمير زيلينسكي رئيساً للبلاد، سعت إلى ممارسة حقها السيادي في قراراتها، باللجوء إلى فك الارتباط مع جارتها روسيا والالتحاق بالغرب من خلال طلب الانضمام إلى حلف «الناتو»، الأمر الذي قوبل برفض روسي قاطع وحازم، كونه يفضي مباشرة إلى تعريض الأمن القومي الروسي للخطر، بوجود قوات حلف «الناتو» على حدود روسيا الغربية.

في علم السياسة، تعرّض الدارسون في المدرسة الواقعية إلى ما يسمى بنظرية الهيمنة الإقليمية، وهي أن التفوق السياسي والعسكري والاقتصادي لدولة واحدة قوية ومهيمنة (تسمى بالمهيمن الإقليمي) يفرض ضغوطات على جيرانها الأصغر حجماً وقوة لتفادي اتخاذ أي سياسات تتعارض وسياستها الخارجية، أو تعرّض أمنها القومي للخطر. لعل أفضل مثال على ذلك، وضعية فنلندا بعد الحرب العالمية الثانية مع الاتحاد السوفياتي سابقاً. حيث توجّب على فنلندا التشاور مع موسكو في أي سياسة خارجية تريد اتخاذها مقابل الحفاظ على استقلالها. الرئيس الأوكراني زيلينسكي تجاهل تلك الحقيقة السياسية، بحرصه على استقلالية القرار الأوكراني من أي ضغوطات روسية، ودفعتْ أوكرانيا الثمن.

المفارقة أن الحرب الأوكرانية ضد روسيا ساهمت في تشكيل وعي أوكراني بهُوّية وطنية أوكرانية، تتأسس على الدفاع عن أوكرانيا، وحق شعبها في اختيار مصيره، والتعبير عن طموحاته وثقافته. أما بخصوص مبدأ حق السيادة الكاملة فإن الحرب زادت في تأكيد استحالة تحققه، وسيكون ذلك مشمولاً في أي اتفاق سلام مقبل.

تُظهر الأزمة الأوكرانية أنها تتجذر بعمق في التقاطع الحرج بين بناء الهُويّة والاعتراف بالسيادة الوطنية. إذ تبين صعوبة تحققهما معاً في أوكرانيا بناء على معطيات الرفض الروسي القاطع، وما أفضى إليه من حرب مهلكة. ذلك الرفض سيتم توثيقه دولياً في أي اتفاق سلام محتمل قريباً بين البلدين.

وفي المحصلة، فإن هذا الصدام الدموي بين الهيمنة الإقليمية والحق السيادي لا يحدد مستقبل أوكرانيا فحسب، بل كان ولا يزال يشكل تحدّياً جوهرياً للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي.

arabstoday

GMT 06:37 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 06:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 06:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 06:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 06:27 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 06:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 06:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا الهُوّية والسيادة ومعضلة أوكرانيا



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 07:18 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
 العرب اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 العرب اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 20:38 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

مصر تضبط عالم الأطفال الرقمي بقانون جديد

GMT 08:42 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

قوة إسرائيلية تتوغل داخل الأراضي اللبنانية

GMT 12:01 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

باريس هيلتون تخرج عن صمتها الطويل حيال فيلمها الفاضح

GMT 12:18 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستكمل فيلم "نصيب" عقب عيد الفطر

GMT 22:16 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

رين يضم سيباستيان شيمانسكي بعقد يمتد حتى 2029

GMT 09:14 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف مناطق متفرقة في قطاع غزة

GMT 08:50 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مستشفى في الخرطوم بحري يعود إلى العمل بعدما دمرته الحرب

GMT 08:54 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

الدولار يتجه لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي في 7 أشهر

GMT 09:10 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

طائرة تقل 238 راكبا أرسلت إشارة استغاثة فوق الصين
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab