هل حانَ وقتُ توديع العقل

هل حانَ وقتُ توديع العقل؟

هل حانَ وقتُ توديع العقل؟

 العرب اليوم -

هل حانَ وقتُ توديع العقل

بقلم:جمعة بوكليب

في عصر التقنية المتقدمة لم يعد سائقو المركبات بأنواعها، يعانون مصاعب السير في الطرقات إلى وجهاتهم المقصودة. جهاز «جي بي إس» تولى عنهم تذليل الصعوبات، وأوجد حلولاً لتفادي فخاخ الطرقات وتفادي المخالفات المرورية. إذ ليس على السائقين سوى الضغط على بعض الأزرار، والتحرّك وفقاً للإرشادات التي يرسلها الجهاز. إذ ما الحاجة إلى وجع الرأس والتوهان في الطرقات إذا كان الجهاز يتكفل بأداء المهمة على أحسن وجه؟

قبل ظهور الجهاز المذكور، تكفل محرك البحث «غوغل» وغيره من المحركات بالجلوس في مقعد القيادة في مجال البحث في أجهزة الحاسوب. المرء منّا لم يعد في حاجة إلى اللجوء إلى تضييع وقته في البحث في الأراشيف وأرفف المكتبات... إلخ. محركاتُ البحث الحاسوبية تقدّم له ما يشاء من معلومات في مختلف العلوم والمعارف. وحين ظهرت الهواتف الذكية، صار بالإمكان حمل الحواسيب في الجيوب. في عالم تقوده التقنية والعلم من حق الإنسان الاستفادة مما تقدمه من خدمات وتسهيلات، والاستمتاع بأوقاته.

الآن، وبعد أكثر من عامين على ظهوره، يبدو أننا اخترنا تسليم الأمور طوعاً إلى الذكاء الاصطناعي المعروف اختصاراً باسم «إيه آي». على عكس ما سبقه من اختراعات وإنجازات تقنية، ظهوره المفاجئ، بأسماء عديدة، سبب ربكة عظيمة في كل الأوساط منذ إشهاره. ثمة من عَدّه فتحاً عظيماً للإنسانية وقفزة في عالم التقنية، وهناك من عَدّه كارثة! وسائل الإعلام، على اختلافها، انشغلت بنشر التقارير والبحوث والمقابلات على أمل الإحاطة بالمخاطر التي يحملها إلى البشر. تراكم الخوف نابع من أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من أداء كافة الأعمال بما يفضي إلى الاستغناء عن الإنسان. اللافت للاهتمام أن ذلك الخوف لم يقف حائلاً بين البشر والاندفاع وراء اللعبة الإلكترونية الجديدة المسماة الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي تغلغل بسرعة في كل مناحي الحياة. فهو سهل الاستخدام ومتوفر أمام الجميع صغاراً وكباراً. نحن الآن نعيش في مرحلة نرى فيها مركبات تسير في الطرقات بلا سائقين. مهمة القيادة تولاها الذكاء الاصطناعي. الحروب في المستقبل المنظور، استناداً إلى الخبراء، لن تعود في حاجة إلى الاقتتال بين جيوش. الذكاء الاصطناعي يتولى قيادة المدرعات والدبابات والطائرات بأنواعها، ويؤدي المهام المطلوبة. الطائرات المسيرة بالذكاء الاصطناعي تتولى حالياً ضرب الأهداف العسكرية في الحرب الروسية - الأوكرانية. إذا صدقت التقارير فإن 70 في المائة من القتلى من الطرفين تمّ باستخدام مسيرات تدار بالذكاء الاصطناعي. خلال حرب الإبادة الدائرة في غزّة ضد الشعب الفلسطيني، ذكرت تقارير إعلامية أن القيادة العسكرية الإسرائيلية استخدمت الذكاء الاصطناعي في محاولات البحث عن الأماكن التي يختبئ بها قادة «حماس».

في الجامعات والمعاهد العليا، يلجأ الطلاب إلى الذكاء الاصطناعي لينوب عنهم في كتابة البحوث والأوراق الأكاديمية. وقرأت مؤخراً أن أحد الأساتذة الأكاديميين حذّر من خطر اعتماد الطلاب على الذكاء الاصطناعي، ونبّه إلى احتمال أن تتحول الجامعات من تقديم المعرفة والعلوم إلى تعليم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي!

الأمر لا يقتصر على الجامعات، بل يطول حتى المراحل الدنيا من التعليم. وما يقال عن التعليم يقال كذلك عن قطاعات عديدة أخرى. الأسوأ أن العديد من الكتاب والمؤلفين بدأوا في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابة مقالاتهم وكتبهم، بل وحتى الأعمال الإبداعية مثل الرواية والقصة والشعر!

التقارير الإعلامية تنشر إحصاءات تؤكد أن الإقبال على استخدام الذكاء الاصطناعي صار يفوق الإقبال على استخدام محرك البحث «غوغل». البعض من أجهزة الذكاء الاصطناعي يتلقى أكثر من 20 ألف سؤال أو طلب في الثانية الواحدة. في البيت وفي المدرسة والمكاتب والجامعات وفي المصانع والإدارات، وفي قيادات الجيوش. ومن يضمن إن استمر الوضع على هذا النحو، أن الأمر لا يطول دور العبادة، ويبدأ الذكاء الاصطناعي يقود الصلوات في المساجد والكنائس والمعابد، ووسيلة التواصل بين الإنسان وخالقه؟

الخبراء يقولون إنه إذا كان للذكاء الاصطناعي مزايا ومحاسن، فإن أكبر أخطاره المحتملة أن يؤدي إلى ضمور العقل، نتيجة قلة الاستخدام. البعض يرى أن الذكاء الاصطناعي لا يشكل خطراً على الإنسان، إذا أُحسنَ استخدامه. هذا ما قيل أيضاً عن اختراع الذرّة! فهل حان الوقت لتوديع استخدام الإنسان لعقله والتخلي عن إبداعه؟

 

arabstoday

GMT 09:33 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

وجها السقوط

GMT 09:23 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

نقاشٌ مع الكاتب العُماني عاصم الشيدي

GMT 08:49 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

حرب السودان ومخطط شد الأطراف

GMT 08:41 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

ظروف الحروب ودروس التاريخ

GMT 08:39 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل!

GMT 08:35 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

من يدفع الفاتورة

GMT 08:31 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل حانَ وقتُ توديع العقل هل حانَ وقتُ توديع العقل



إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - العرب اليوم

GMT 03:31 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

كيفية يناء علاقة قوية رغم اختلاف الأبراج

GMT 03:26 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

صواريخ من لبنان تضرب كريات شمونة شمال إسرائيل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab