بقلم: طارق الشناوي
قبل نحو ١٨ عاما كان «أسامة أنور عكاشة» قد غادر لتوه المستشفى، وقتها قالت لى مذيعة فى التليفزيون المصرى إنها بصدد حلقة عن أسامة، وفكرة البرنامج قائمة على أن الضيف يختار من يوجهون له الأسئلة، أتذكر أنه رشح أيضا معى كلا من رفقاء رحلته صلاح السعدنى وأبوبكر عزت وإسماعيل عبد الحافظ وصفية العمرى!!.
كان «أسامة» فى مرحلة زمنية عندما يقرأ مقالاً ينتقد عملاً له يسارع بالرد، وفى العادة الرد يستتبع أيضاً التعقيب، وندخل فى دائرة لا تنتهى، ورغم ذلك فإن هذا الجدل بيننا لم يسفر سوى عن مزيد من الحب والتلاقى الفكرى، ظللنا على مدى ١٥ عاماً متتالية، كلما أقامت قصور الثقافة لقاء رمضانيا لأسامة، يصر على اختيارى لمحاورته.
كتبت مقالاً عقدت من خلاله مقارنة بين مسلسلين «الحاوى» لمحسن زايد و«أهالينا» لأسامة أنور عكاشة، كان العنوان (الحاوى بنار الفرن وأهالينا من الديب فريزر)، المعنى الذى قصدته أن «أسامة» يستدعى بعض أفكار شخصيات من مخزونه الإبداعى القديم، اختلفت مع بعض مسلسلاته.. ولكنى مع الزمن عندما تتحول النظرة الأحادية إلى قراءة بانورامية، أرى خريطة متكاملة لمدرسة متفردة.. ومع تعاقب السنوات اكتملت رؤية «أسامة»، لم يستطع أى كاتب آخر أن يصل إلى هذا الكم من النجاح، الغزارة التى تمتزج بالثراء الإبداعى، إنه الكاتب النجم الأول بلا منازع فى الدراما التليفزيونية، كانت المسلسلات يتم بيعها للفضائيات باسمه.
لم يكن يوماً صوتاً للدولة، كان لدى «أسامة» قناعة بأنه ينبغى أن يظل صوت نفسه، صحيح أنه دفع الثمن، حتى إن حلمه بتقديم فيلم عن حرب أكتوبر برغم أنه تمت الموافقة عليه ومُنِح ضوءًا أخضر، إلا أن هجمة مباغتة قالت إنه ليس ساداتيًا، فكيف يكتب ناصرياً فيلماً عن انتصار أكتوبر؟، لم يكن «عكاشة» ضد «السادات»، اختلف معه سياسيا فى تطبيق قانون الانفتاح الاقتصادى، وأشاد به فى نصر أكتوبر.
انتصروا عليه وقتلوا حلمه بفيلم (أكتوبر) وظل الجرح غائراً، حتى غادر الحياة.
قلت وهو بيننا إنه أقام حدائق إبداعية مترامية الأطراف لها سور، وأن أغلب من كتب دراما بعد «أسامة» أخذ بعض ثمرات هذه الحديقة. المطلوب أن يأتى جيل يقفز فوق السور، كان «أسامة» يعتقد أنه لم يبن سورا، وضع فقط علامات على الطريق، وحكى «أسامة» أن أحد أصدقائه قال له لديك (زير) وكل عطشان ألقى (كوز) وأخذ ما تيسر ونسبه لنفسه.
سألت أسامة فى البرنامج وأنا أتحسس كلماتى تخيل أنك مسافر إلى رحلة الخلود ومعك كل مسلسلاتك البالغ عددها ٤٣، وقال لك المسؤول عن إنهاء إجراءات السفر: الوزن زائد ينبغى أن تتخلص من ثلاثة، أجاب أسامة، «طارق» يقصد أكثر من ثلاثة، طلبت منه المذيعة أن يذكر أسماء، أجابها بأنه سوف يترك الحقيبة كلها ويصعد للطائرة غير مثقل بالأحمال ويكتب من أول وجديد من عالم الخلود.
كان أسامة قد باح لى من قبل بعدد من المسلسلات التى لم تعبر عن قناعاته، طلب منى ألا أذكر الأسماء، وانتهى الأمر إلى أنه قال للمذيعة، إن من بين كل هذه المسلسلات تعيش له فى التاريخ ٢٠ مسلسلاً وهو ما يقترب من ٥٠٪، أنا أرى أن ما تبقى لأسامة ٣٠ مسلسلاً تعيش مع الزمن، وهى نسبة ضخمة تصل إلى نحو ٧٠ فى المائة، لا أتصور سوى قلة فقط حققوها، لو راجعت مثلا أفلام «صلاح أبو سيف»، «يوسف شاهين»، «كمال الشيخ»، «عاطف الطيب» لن تجد أحد قد تجاوز هذه النسبة.
ستثبت الأيام دائما أن إبداع أسامة أنور عكاشة لا يزال يرتوى منه الكثير من الكتاب، سيظل فى حياتنا كاتبا تليفزيونيا استثنائيا واحدا، علامة مميزة على الجودة اسمه (أسامة أنور عكاشة).!!