بقلم : خالد منتصر
جاء توجيه الرئيس بعدم قطع الأشجار والاهتمام بالمسطحات الخضراء، في وقته تماماً، فالشجرة تمنحك رئة ثالثة، هي ليست شكلاً جمالياً فقط، ولكنها فائدة صحية ونفسية أيضاً، فهناك دراسة نشرت في مجلة GeoHealth في أغسطس 2026، وأجراها باحثون من جامعة نورث وسترن الأمريكية تحت عنوان يدور حول العلاقة بين تغيّر الغطاء الشجري والوفيات في شيكاغو، حلّل الباحثون صور الأقمار الصناعية لكل أحياء شيكاغو بين عامي 2011 و2021، وربطوها بأكثر من 220 ألف سجل وفاة.
وبعد ضبط عوامل مثل درجة الحرارة وتلوث الهواء والدخل وعدد السكان، وجدوا أن الأحياء التي تفقد غطاءها الشجري عاماً بعد عام ترتفع فيها معدلات الوفيات، خصوصاً في المناطق الأشد حرارة. وفي المقابل، ارتبط ازدياد الغطاء الشجري بانخفاض الوفيات المرتبطة بأمراض القلب والجهاز التنفسي وبعض الاضطرابات النفسية.
وقدّر النموذج أن زيادة غطاء الأشجار في شيكاغو بنحو 0.03% سنوياً، بما يعادل زراعة قرابة 14 ألف شجرة كل عام، قد ترتبط بتجنب نحو 105 وفيات سنوياً، أهم رسالة في الدراسة ليست «ازرعوا أشجاراً جديدة» فقط، بل لا تقتلوا الأشجار الناضجة؛ فالشتلة الصغيرة تحتاج سنوات طويلة حتى تمنح المدينة الظل والتبريد اللذين توفرهما شجرة كبيرة فوراً.
الأشجار لا تزيّن الشوارع فقط؛ إنها تحرس نبض سكانها، البيولوجي والنفسي، وكأن المدينة حين تقتلع شجرة ناضجة لا تفقد بعض اللون الأخضر، بل تقتطع جزءاً من رئةٍ وقلبٍ ومظلّة إنقاذ، مدينة بلا أشجار ليست مدينة أقل جمالاً فقط، بل مدينة أكثر مرضاً وقسوة.
ترتفع حرارتها؛ لأن الأسفلت والخرسانة يمتصان حرارة الشمس ويحتفظان بها، فتتكوّن «الجزيرة الحرارية الحضرية»، وقد تصبح الأحياء الخالية من الظل أشد حرارة من المناطق المشجّرة بعدة درجات، يزداد تشغيل المكيّفات، ويرتفع استهلاك الكهرباء، وتنقطع الراحة عمّن لا يملك تكييفاً.
ويتلوث الهواء، فالأشجار تحتجز جزءاً من الغبار والجسيمات الدقيقة، وتمتص ثاني أكسيد الكربون وبعض الملوّثات، غيابها لا يعني انعدام الأكسجين، ولكنه يعني هواءً أكثر تلوثاً، خصوصاً قرب الطرق المزدحمة.
وتصبح الأمطار أخطر، فالجذور تساعد التربة على امتصاص المياه، والتيجان تُبطئ سقوط المطر. من دونها تندفع المياه فوق الأسطح الصلبة نحو الشوارع والصرف، فتزداد السيول وتآكل التربة، تختفي الطيور والحشرات النافعة، ويضيع التنوع الحيوي، وتفقد المدينة أحد أفضل عوازل الضوضاء والرياح، فتغدو أكثر صخباً وجفافاً. والخسارة ليست بيئية فقط، بل إنسانية أيضاً: يقلّ المشي والجلوس في الشوارع، وتزداد العزلة، ويضعف ارتباط الناس بالمكان. وتُظهر أبحاث كثيرة أن رؤية المساحات الخضراء ترتبط بانخفاض التوتر وتحسن المزاج والصحة العامة.
الأشجار ليست زينة توضع بعد اكتمال المدينة؛ إنها جزء من بنيتها التحتية، مثل شبكات المياه والصرف. المدينة التي تقطع أشجارها لتوسّع الطريق قد تكسب متراً للسيارات، لكنها تخسر ظلاً وهواءً وصحةً وحياةً كاملة للمشاة. باختصار: حين تختفي الأشجار، تتحول المدينة من مكان للحياة إلى كتلة خرسانية صالحة للسيارات فقط.