بقلم : خالد منتصر
أطلق عليها طه حسين «بلد النور»، اعترانا الحزن عندما رأينا النور وقد انقلب ناراً، لهيباً، مباني أثرية تحترق، متاجر براندات شهيرة تُسرق وتُسلب في وضح النهار، في بداية الأمر قيل إنها مظاهرات طلاب مدارس يريدون إصلاح التعليم، لكن السؤال: هل سرقة لويس فيتون سيصلح من أمور التعليم؟!، لماذا حزنت، وأصابتني المرارة؟، لأن فرنسا تمثل لمصر جسر تنوير مهماً في التاريخ المصري، فرنسا تعني الكثير بالنسبة لنا، تعني رفاعة الطهطاوي الذي سافر إلى باريس عام 1826 إماماً للبعثة المصرية، وتعلّم الفرنسية وقرأ لمونتسكيو وروسو وفولتير.
وفي كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» عرّف القراء بمظاهر الحياة والتعليم والنظام السياسي الفرنسي. وبعد عودته، أسهم بتأسيس مدرسة الألسن والترجمة في تحويل الاحتكاك بفرنسا إلى مشروع تعليمي وثقافي واسع، تعني قاسم أمين الذي درس الحقوق هناك وعاد إلى مصر عام 1885، وتمرّد وكتب عن وضع المرأة المتخلف وتعليمها المحدود والقيود الاجتماعية المفروضة عليها، تعني طه حسين الذي ناقش الموروث بالشك الديكارتي بعد عودته من فرنسا، وأنار بصيرتنا وهو فاقد البصر، فرنسا تعني لنا «وصف مصر»، ذلك الكتاب الذي يعد من أبرز ثمار النشاط العلمي المصاحب للحملة الفرنسية، بدراساته ورسومه عن الآثار والطبيعة والحياة المعاصرة، تعني لنا «شامبليون» وفكه لشفرة الهيروغليفية، ليمنح قبلة الحياة لدراسة التاريخ المصري القديم وآثاره، فرنسا تعني لنا القانون، فمع إنشاء المحاكم المختلطة سنة 1875، ثم المحاكم الأهلية سنة 1883، اقتبست مصر جانباً كبيراً من التقنينات الفرنسية في المعاملات المدنية والتجارية والعقوبات والإجراءات، وأصبحت الفرنسية لغة مهمة لصياغة القوانين وتكوين النخبة القانونية، تعني لنا بداية معرفة الطباعة، حتى مجلس الدولة تأسّس على غرار مجلس الدولة الفرنسي، جامعاً بين القضاء في المنازعات الإدارية ووظائف الإفتاء ومراجعة التشريعات.
والمعنى الحضاري هنا أن المواطن يستطيع الطعن على قرار الإدارة أمام قضاء مختص؛ فتخضع ممارسة السلطة للفحص القانوني، فرنسا تعني لنا المجمع العلمي المصري الذي يعد من أبرز الأمثلة على الأثر العلمي والمؤسسي الفرنسي في مصر، والذي أسّسه نابليون بالقاهرة على غرار المجمع الفرنسي، وترأسه عالم الرياضيات جاسبار مونج، وكان نابليون نائباً للرئيس، والعالم جوزيف فورييه سكرتيراً دائماً، هذا المجمع الذي ضم أربعة أقسام: الرياضيات، والفيزياء، والاقتصاد السياسي، والآداب والفنون الجميلة، وكانت أهميته في جمع تخصصات مختلفة داخل مؤسسة تناقش الأبحاث وتوثّق نتائجها؛ أي تقديم نموذج للعمل العلمي الجماعي القائم على الملاحظة والقياس والتجربة، ودرس علماؤه جغرافيا مصر وآثارها وطبيعتها وحياتها المعاصرة، وكانت جلساته ساحة لمناقشة البحوث التي أسهمت، مع أعمال البعثة العلمية الأوسع، في إعداد موسوعة «وصف مصر»، هذا المجمع الذي له دلالة مهمة في تاريخ التنوير، فهو قد جسّد فكرة تحويل البحث إلى مؤسسة: علماء يتعاونون، وأسئلة تُناقَش، ونتائج تُسجَّل وتُنشر، فرنسا بالنسبة للمصريين مصابيح تنوير، يدمي القلوب أن تتحول إلى خناجر ورصاص وسطو وإرهاب.