بقلم : خالد منتصر
يعتقد البعض ومنهم مسئولون عن خطط التعليم أن الفيزياء مادة بعيدة عن عالم الأطباء، وأنها مجرد مجموعة من القوانين والمعادلات التى تنتهى مهمتها بانتهاء امتحان الثانوية، لكن الحقيقة أن الطب الحديث لا يستطيع أن يتحرك خطوة واحدة من دون الفيزياء؛ فالجسم البشرى ليس فقط خلايا وأنسجة وأعضاء، بل منظومة تتحرك فيها السوائل، وتتغير داخلها الضغوط، وتنتقل خلالها الإشارات الكهربائية والموجات الصوتية والضوئية، حين يدرس الطالب ضغط السوائل، فإنه يضع الأساس لفهم ضغط الدم وحركة الدورة الدموية، وحين يتعلم العلاقة بين سرعة السائل وقطر الأنبوب ومقاومته، يصبح أكثر استعداداً لفهم ما يحدث عندما يضيق شريان أو ينسد.
والقلب نفسه ليس مجرد عضلة؛ إنه مضخة تخضع لقوانين الضغط والتدفق، كما أن نبضاته تبدأ بإشارات كهربائية يستطيع الطبيب تسجيلها وقراءتها فى رسم القلب، والتنفس أيضاً عملية فيزيائية بامتياز، فدخول الهواء إلى الرئتين وخروجه منهما يعتمد على فروق الضغط، بينما يقوم تبادل الأكسجين وثانى أكسيد الكربون على قوانين الانتشار والضغط الجزئى للغازات، ومن دون هذه المفاهيم يصعب فهم أجهزة التنفس الصناعى أو تفسير غازات الدم أو التعامل مع مرضى العناية المركزة، أما العين فهى نظام من العدسات يكسر الضوء ويركزه على الشبكية، ولذلك تساعد الفيزياء فى فهم قصر النظر وطوله والاستجماتيزم، والأذن تستقبل موجات صوتية تتحول إلى اهتزازات ثم إلى إشارات عصبية، حتى حركة العضلات والمفاصل واتزان الجسم وكسور العظام تخضع لقوانين القوة والعزم والاحتكاك ومركز الثقل، وتظهر الفيزياء بوضوح أكبر فى أدوات التشخيص والعلاج؛ فالأشعة السينية، والأشعة المقطعية، والرنين المغناطيسى، والموجات فوق الصوتية، والليزر، والعلاج الإشعاعى، وأجهزة قياس الضغط والنبض والأكسجين، كلها تطبيقات مباشرة لمبادئ فيزيائية، وقد يستخدم الطبيب هذه الأجهزة بسهولة، لكنه لن يدرك إمكاناتها ومخاطرها وحدود نتائجها من دون فهم الأساس العلمى الذى تعمل به، والأهم أن الفيزياء لا تمنح الطالب معلومات فحسب، بل تدربه على طريقة تفكير يحتاجها الطبيب: تحليل المشكلة، وفهم العلاقة بين السبب والنتيجة، وقراءة الرسوم البيانية، والتعامل مع القياسات، وتقدير نسبة الخطأ، وعدم القفز إلى الاستنتاجات.
وهذه المهارات هى جوهر التشخيص الطبى السليم، لذلك لا ينبغى لطالب الثانوية أن يسأل: «لماذا أدرس الفيزياء وأنا أريد أن أصبح طبيباً؟»، فالطب الحديث هو بيولوجيا نفهم بها الحياة، وكيمياء نفسر بها تفاعلاتها، وفيزياء نقيس بها ما يحدث داخل الجسد.
الفيزياء لا تُبعد الطالب عن الطب، بل تمنحه العين التى يرى بها ما لا تستطيع العين المجردة.