قراءة في بيان القمة الخليجية

قراءة في بيان القمة الخليجية

قراءة في بيان القمة الخليجية

 العرب اليوم -

قراءة في بيان القمة الخليجية

بقلم : محمد الرميحي

جاء البيان الختامي للقمة الخليجية السادسة والأربعين في البحرين، بوصفه وثيقة سياسية شاملة تعكس لحظة نضج في مسار العمل الخليجي المشترك، وتكشف في الوقت نفسه عن إدراك عميق لحجم التحولات الإقليمية والدولية المحيطة بدول المجلس. لم يكن البيان مجرد سرد بروتوكولي للمواقف؛ بل كان أقرب إلى خريطة طريق متكاملة تمس الأمن، والاقتصاد، والحوكمة، والعلاقات الخارجية، وقضايا المنطقة المشتعلة، وهو ما يمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز لغة التمنيات المعتادة في مثل هذه البيانات.

أول ما يلفت في البيان هو تأكيده الصارم على مبدأ وحدة الأمن الخليجي: «أمن دول المجلس كل لا يتجزأ». هذه العبارة، التي تكررت بصيغ متعددة، تعكس وعياً خليجياً متراكماً بأن التهديدات لم تعد محصورة في حدود دولة بعينها، بل باتت عابرة للجغرافيا، سواء تمثلت في اعتداءات مباشرة، أو في اختلالات إقليمية مزمنة، أو في تهديدات الملاحة والطاقة. هذا المبدأ لا يُطرح نظرياً فقط، بل يسنده البيان باتفاقيات الدفاع المشترك، وبمواقف سياسية واضحة من إيران، ومن الاعتداءات على دول المجلس، ومن أمن الممرات البحرية، بما يعكس انتقال مفهوم الأمن الجماعي من مستوى الشعار إلى مستوى السياسة المعلنة.

اقتصادياً، يعكس البيان انسجاماً واضحاً مع التحول الخليجي الكبير نحو ما بعد النفط، وهو ما يتقاطع زمنياً مع إعلان الميزانية السعودية التي أكدت المضي في التنويع الاقتصادي، واعتماد منصات تبادل البيانات الجمركية، وتسريع متطلبات الاتحاد الجمركي، وتوسيع السوق الخليجية المشتركة، وإنشاء هيئة الطيران المدني، وربط دول المجلس بمشروع السكة الحديد، كلها مؤشرات على أن الاندماج الاقتصادي لم يعد حلماً مؤجلاً؛ بل أصبح مساراً تنفيذياً بجدول زمني. ويكتسب هذا المسار زخماً إضافياً حين يُربط بتنمية الصناعات الخليجية، كما في منتدى «صُنع في الخليج»، وبالتحولات الطاقية في مجال الهيدروجين والاقتصاد الدائري للكربون والطاقة المتجددة.

في بُعد الحوكمة، يخرج البيان بلغة غير مسبوقة من حيث التركيز على النزاهة ومكافحة الفساد، واعتماد أدلة موحدة للمسؤولية القانونية والتحقيقات المالية، والاستراتيجية الأمنية لمكافحة غسل الأموال. هذا التوجه يعكس أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى الحوكمة بوصفها مطلباً خارجياً؛ بل بوصفها شرطاً داخلياً للتنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي. كما أن استحضار الذكاء الاصطناعي، وسياسات استخدامه، ومعوقات تكامل الخدمات، كل ذلك يعكس إدراكاً بأن التحول الرقمي لم يعد ترفاً؛ بل ضرورة سيادية واقتصادية، تخدم المواطن وتلج إلى العصر الرقمي.

سياسياً، يحتل الملف الفلسطيني مركز الثقل في البيان، ليس فقط من حيث الإدانة الصريحة للعدوان الإسرائيلي؛ بل أيضاً من حيث دعم المسارات السياسية والاقتصادية لإقامة الدولة الفلسطينية. الإشارة إلى «مجلس السلام» لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، والدعوة إلى صندوق دولي لأيتام غزة، ودعم إعادة الإعمار، والاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، كلها عناصر تعكس انتقال الخطاب الخليجي من مجرد التضامن إلى الاشتغال العملي على ما بعد الحرب. اللافت أن البيان يوازن بين الإدانة القانونية والأخلاقية للاحتلال، ودعم المسارات الدبلوماسية الدولية، ما يمنحه مصداقية سياسية أوسع في الساحة الدولية.

في المقابل، يأتي الموقف من إيران واضحاً في ثوابته: احترام السيادة، وحسن الجوار، ورفض التدخل، مع إدانة الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، والمناورات العسكرية، والتغيير الديموغرافي في الجزر المحتلة. هذا التوازن بين الدعوة إلى الحوار من جهة، والحزم في قضايا السيادة من جهة أخرى، يعكس نضجاً في المقاربة الخليجية للملف الإيراني، بما لا يغلق باب الدبلوماسية ولا يفرّط في الحقوق السيادية.

أما في الملفات العربية الساخنة، فيظهر البيان كأنه خريطة استقرار إقليمي تتقاسم فيها دول الخليج أدوار الوساطة والدعم وإعادة الإعمار. في السودان، يبرز الدور السعودي والدعم الخليجي المشترك لإنهاء الحرب والانتقال إلى حكم مدني. وفي سوريا، يتجسد التحول الكبير في دعم إعادة دمجها عربياً، ورفع العقوبات، ودعم الاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار، مع موقف واضح من الاعتداءات الإسرائيلية. وفي لبنان، يميل البيان إلى دعم منطق الدولة وحصر السلاح بيدها، والتمسك بالإصلاح الاقتصادي، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية.

اللافت أيضاً هو الحضور الكثيف لدبلوماسية الوساطة الخليجية في ملفات عالمية: من أوكرانيا وروسيا، إلى أذربيجان وأرمينيا، وإلى باكستان والهند. هذا الحضور يعكس انتقال دول الخليج من موقع التأثر بالتحولات الدولية إلى موقع المساهمة في إدارتها، وهو ما يعزز من ثقلها السياسي العالمي، ويعيد تعريف دورها بوصفها قوى استقرار لا قوى نفط فقط.

بيان القمة في البحرين لا يُقرأ بوصفه حصيلة دورة عادية من دورات المجلس؛ بل بوصفه وثيقة انتقالية في مسيرة الخليج. هو بيان يؤكد أن دول الخليج أصبحت أكثر واقعية في إدارة الاقتصاد، وأكثر مؤسسية في الحوكمة، وأكثر جرأة في المواقف السياسية، وأوسع حضوراً في الدبلوماسية الدولية. والأهم أنه يعكس فلسفة جديدة في صنع القرار الخليجي: لا تردد في المراجعة، ولا تردد في التعديل، ولا تردد في الانتقال من الخطط إلى التنفيذ. من هنا يمكن القول إن «قراءة في بيان القمة» ليست قراءة في نص سياسي؛ بل في مرحلة خليجية جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والتنمية، وبين الأمن والدبلوماسية، وبين الداخل والخارج، على أسس أكثر اتزاناً ونضجاً.

آخر الكلام: البيان لا يتحدث عن الغد؛ بل يبدأ بصياغته.

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قراءة في بيان القمة الخليجية قراءة في بيان القمة الخليجية



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 08:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير
 العرب اليوم - محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 08:07 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

مقتل 11 جنديًا سوريًا بواسطة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"

GMT 07:59 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

3 شهداء جراء استهداف الاحتلال لسيارة طاقم إعلامي وسط غزة

GMT 08:03 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يعترض طائرة مسيرة تحمل 10 أسلحة نارية

GMT 19:20 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترمب يؤكد رفض استخدام القوة في ملف غرينلاند خلال خطاب دافوس

GMT 08:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

تعرض الفنان عبد العزيز مخيون لوعكة صحية ونقله للمستشفى

GMT 09:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الطقس السيئ يودي بحياة بحياة شخصين في اليونان

GMT 09:37 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

GMT 09:40 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

صورة غلاف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab